روايات وقصص

جوزي أقنعني إني فقيرة سنين…

“بعد كل اللي حصل، لسه في حاجة ممكن تكون أصعب؟”

رفع عينيه.

“أبوكِ وأمكِ ما ماتوش صدفة.”

الدنيا سكتت.

بصيت له وأنا مش فاهمة.

“إيه؟”

جدتي نفسها اتجمدت.

“إنت قلت إيه؟”

محمود قرب من الكرسي.

“الحادثة اللي ماتوا فيها…”

سكت.

“ما كانتش حادثة عادية.”

أنا حسيت إن قلبي توقف.

“إنت بتقول إيه؟”

محمود بص لجدتي.

“أخويا كان بيحاول يهرب من الديون.”

جدتي قالت:

“وأنا كنت عارفة إنه عليه ديون.”

“لا.”

هز راسه.

“إنتِ ما كنتيش عارفة حجمها.”

سوزان قالت:

“اتكلم.”

محمود أخد نفسًا عميقًا.

“قبل وفاة والد نور بشهور، كان اكتشف إن في أموال بتتسحب من استثمارات العيلة.”

جدتي بصت له بصدمة.

“مين كان بيسحبها؟”

محمود قال:

“أنا.”

أنا غطيت بوقي بإيدي.

جدتي ما اتحركتش.

“ليه؟”

محمود قال:

“كنت غرقان.”

“في إيه؟”

“قمار.”

سكتت الغرفة.

وبعدين قال:

“أبو أحمد عرف.”

جدتي فهمت.

“وهددك.”

هز راسه.

“قال لي لو ما ساعدتوش، هيبلغ عني.”

أنا بصيت لمحمود.

“وبابا وماما؟”

صوته انخفض.

“أبوكِ اكتشف كل حاجة.”

“وبعدين؟”

دموع نزلت من عينيه.

“كان لازم أوقفه.”

جدتي قالت بصوت مخيف:

“إنت عملت إيه؟”

محمود بكى.

“أنا ما قتلتهمش.”

سكت.

“لكن أنا كنت عارف إنهم رايحين للمكان ده.”

جدتي قالت:

“إنت عرفت إن العربية هتتضرب؟”

محمود ما ردش.

وده كان الرد.

أنا حسيت إن نفسي اتخنق.

“يعني كنت عارف إنهم ممكن يموتوا؟”

قال:

“أيوه.”

صرخت:

“وسكت؟!”

محمود انهار.

“كنت جبان.”

جدتي ضربت بإيدها على الترابيزة.

“إنت مش جبان.”

بصت له بعينين مليانين غضب.

“إنت خائن.”

محمود نزل راسه.

أما أحمد فكان واقف في الزاوية، ساكت.

فجأة قال:

“أنا ما كنتش أعرف حاجة عن الحادثة.”

بصيت له.

“بس كنت تعرف إن أبوك متورط.”

“آه.”

“وكنت عارف إن خالي بيسرق فلوسي.”

“آه.”

“وكنت عارف إنك متجوزني عشان فلوسي.”

سكت.

أنا هزيت راسي.

“كفاية.”

جدتي قربت مني.

لكن قبل ما تتكلم، دخل رجل أمن المستشفى بسرعة.

قال:

“مدام زينب، في مشكلة.”

جدتي التفتت له.

“إيه؟”

“في عربية غريبة واقفة من بدري عند باب المستشفى.”

“وبعدين؟”

“في رجالة بيسألوا عن نور.”

سوزان قفلت اللابتوب.

جدتي بصتلي.

وأحمد رفع عينيه فجأة.

قال:

“هما جايين عشاني.”

جدتي ردت:

“مين؟”

أحمد سكت.

جدتي قربت منه.

“مين يا أحمد؟”

قال بصوت مكسور:

“الناس اللي أبويا كان مديون ليهم.”

سوزان سألت:

“قد إيه؟”

أحمد قال:

“مش مهم.”

جدتي ردت:

“مهم.”

أحمد بصلي.

“اللي مهم إنهم لما يعرفوا إن فلوس نور اتقفلت…”

سكت.

“هييجوا ياخدوها بأي طريقة.”

ضممت ليان لصدري.

وفي اللحظة دي، أدركت إن اللي حصل في المستشفى ما كانش نهاية كذبة.

كان بداية حرب.

لأن الناس اللي كانوا مستنيين فلوسي سنين…

عرفوا أخيرًا إني اكتشفت الحقيقة.

حكايات شروق خالد

النهاية

مرت الساعات التالية وكأنها أيام.

جدتي نقلتني أنا وليان إلى جناح خاص، وحطت حراسة على باب المستشفى، بينما سوزان بدأت تتواصل مع المحامين والجهات المختصة.

أما أحمد، ففضل قاعد في غرفة منفصلة تحت الحراسة.

في صباح اليوم التالي، دخلت سوزان ومعاها ملف كبير.

قالت:

“خلصنا.”

بصيت لها.

“إيه اللي حصل؟”

قالت:

“كل التحويلات اتوقفت. كل الشركات اللي استخدمها أحمد اتجمدت. والنيابة بدأت تحقيق رسمي في التزوير وغسل الأموال.”

سكتت لحظة.

“وفي حاجة تانية.”

“إيه؟”

“أحمد اعترف.”

غمضت عيني.

الغريب إني ما حسيتش بالفرحة.

حسيت براحة.

راحة واحدة عاشت سنين وهي فاكرة إنها فقيرة، وهي في الحقيقة كانت محاطة بثروة ما كانتش تعرف عنها حاجة.

بعد أيام، تم القبض على أحمد.

أما محمود، فاختار يعترف بكل شيء، من سرقة الأموال لحد تستره على حقيقة حادث وفاة أختِه وجوزها.

وبعد شهور طويلة من التحقيق، ظهرت الحقيقة كاملة.

والدي ووالدتي لم يكونا سببًا في الحادث.

كان الحادث مدبرًا بسبب الأموال التي اكتشفها أبي.

ومحمود لم يكن القاتل، لكنه أخفى المعلومات، وساعد أشخاصًا خطرين، وظل يعيش سنوات وهو يحمل ذنبًا لا يستطيع الهروب منه.

أما أحمد، فاتضح أنه دخل حياتي بخطة واضحة.

كان المطلوب منه أن يجعلني أعتمد عليه، ثم يستولي بالتدريج على ثروتي.

لكنه لم يتوقع أن جدتي ستكتشف الحقيقة قبل أن ينجح.

بعد سنة كاملة، وقفت أمام المرآة في شقتي الجديدة.

لم تكن شقة فخمة فقط.

كانت بيتي.

بيتي الذي اخترته بنفسي.

ليان كانت بتجري في الصالة الصغيرة وهي بتضحك.

بصيت لها وابتسمت.

كنت لابسة فستان بسيط وجديد.

لأول مرة من سنين، اشتريت هدومي من غير ما أخاف من سؤال:

“إنتِ صرفتي كام؟”

دخلت جدتي وهي شايلة صندوق صغير.

قالت:

“عندي حاجة ليكي.”

فتحته.

كان جواه سلسلة ذهبية قديمة.

عرفتها فورًا.

كانت لأمي.

مسكتها وأنا بعيط.

جدتي قالت:

“أمك كانت عايزة تديهالك يوم ما تكبري.”

حطيتها على رقبتي.

وسكتنا إحنا الاتنين.

بعدها سألتني:

“لسه بتفتكري نفسك فقيرة؟”

ضحكت.

وقلت:

“أوقات.”

قالت:

“وليه؟”

بصيت لليان.

“لأن الفقر مش دايمًا قلة فلوس.”

جدتي ابتسمت.

فكملت:

“أوقات الفقر الحقيقي إن حد يخليك تصدقي إنك ما تستحقيش.”

جدتي قربت وحضنتني.

“وإنتِ دلوقتي عارفة إيه؟”

بصيت لها.

“إني أستحق.”

مرت السنوات.

لم أتزوج مرة أخرى.

لم أكن بحاجة إلى رجل يثبت لي قيمتي.

أسست مؤسسة باسم أمي لمساعدة النساء اللواتي يتعرضن للاستغلال المالي داخل الزواج.

وكان أول مشروع للمؤسسة هو صندوق طوارئ للنساء اللواتي لا يملكن مالًا يهربن به من العلاقات المؤذية.

أما ثروتي، فوضعت لها نظامًا قانونيًا لا يستطيع أي شخص الاقتراب منها دون علمي وموافقتي.

وفي كل شهر، كان يصلني كشف حساب كامل.

كنت أفتحه بنفسي.

ليس لأنني أصبحت مهووسة بالمال.

بل لأنني تعلمت أن الجهل بحقوقك قد يجعل أخطر شخص في حياتك يبدو وكأنه المنقذ.

بعد خمس سنوات، كنت واقفة في حفل افتتاح مستشفى جديد يحمل اسم أمي.

ليان كانت بجانبي، بفستان أبيض صغير.

وجدتي وقفت أمام الناس وقالت:

“أنا خسرت ثقة في شخص من عيلتي، لكني ربحت حفيدة أقوى مما كنت أتخيل.”

بصيت لها ودموعي لمعت.

ثم أمسكت يد ليان.

وعندما صعدنا إلى المنصة، سألتني ابنتي بصوت منخفض:

“ماما، هو إحنا أغنيا؟”

ضحكت.

وقلت:

“إحنا مش أغنيا يا ليان.”

بصتلي باستغراب.

فانحنيت لمستواها وقلت:

“إحنا أحرار.”

حضنتني.

وفي اللحظة دي فهمت أخيرًا إن الـ300 ألف دولار اللي كانت جدتي بتبعتها كل شهر ما كانتش أهم حاجة اكتشفتها.

أهم حاجة اكتشفتها كانت نفسي.

الست اللي قضت سنين بتعتذر عن وجودها، وتخاف من المصاريف، وتلبس القديم عشان ما تزعلش جوزها…

ماتت يوم دخلت جدتي أوضة المستشفى.

والست اللي خرجت من هناك…

كانت نور الشناوي.

عارفة قيمتها.

عارفة حقوقها.

ومش هتسمح لأي حد في الدنيا يقنعها تاني إنها أقل مما تستحق.

لأن بعض الأسرار بتسرق سنين من عمرنا…

لكن لما الحقيقة تظهر، تقدر ترجع لنا عمر كامل من القوة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى