
بعد خمسة عشر شهرًا من طلاقنا، كشف اتصال هاتفى فى منتصف الليل عن أن لدى ابنة تبلغ من العمر ستة أشهر. لكن فى اللحظة التى حملتها فيها بين ذراعى لأول مرة، اكتشفت ما هو أسوأ بكثير: لقد تعمد شخص ما إخراج عربة طليقتى عن الطريق لأخذ طفلتنا. وحين أفاقت طليقتى أخيرًا، اتهمتنى بأننى تخليت عن طفلة لم أكن أعلم بوجودها أصلًا.
الساعة الحادية عشرة وعشر دقائق مساءً، قاطعت مكالمة هاتفية اجتماععى مع مدير مخزن خسر بطريقة ما أربعين ألف جنيه من أموالى. عادة لا تصلنى الأرقام المجهولة خلال ساعات العمل، لكن شيئًا ما دفعنى للرد.
“يا باشمهندس مراد؟ معاك دكتورة كارين من مستشفى المعادى. يا بيه، حضرتك بقيت أب.”
جسمى كله بقى متجمد.
“اسمها جنة. عندها ست شهور. والدتها، ليليان، اتنقلت المستشفى بعد حادث عربية، وهى دلوقتى جوه فى العمليات.”
ليليان.. نيل بتاعتى. الست اللى طلقتها من خمسة عشر شهرًا عشان أحافظ على حياتها.
“هتقوم بالسلامة؟”
“إحنا بنعمل اللى نقدر عليه. بنتك سليمة ومفيهاش أى حاجة. لقينا رقمك فى كارت طوارئ جوه شنطة الببرونة.”
فى ثوانٍ معدودة، كان دراعى اليمين، غازى، جهز العربية. وبينما كنا طايرين فى شوارع القاهرة الغرقانة فى المطر، حسبت الشهور وعرفت أن ليليان كانت حاملاً يوم ما سيبتها.
الصبحية دى عمرها ما فارقت خيالى. ليليان كانت واقفة حافية فى المطبخ، بترجانى أفسر لها ليه عايز أطلقها فجأة.
مكنتش تعرف حاجة عن الصورة اللى كانت فى جيبى، اللى بتبينها وهى خارجة من المكتبة ومتعلم بدائرة حمراء حوالين راسها. فريد، أخطر خصومى، كان باعتلى إنذار، وفضلت أضحى بجوازنا عشان أحميها.
فى المستشفى، لقيت طفلة شعرها أسود غامق نايمة جوه السرير. ولما فتحت عينيها، بصت لى بنفس نظرة الشك والتحفز اللى كنت بشوفها فى مرايتى من خمس وثلاثين سنة.
“دى واخدة كشرتى بالظبط”، همست لنفسى.
الممرضة ساعدتنى أشيلها، وفى ثانية قبضت أصابعها الصغيرة على ياقتى. جنة حطت خدها على صدرى، والكبير اللى مصر كلها بتخافه كاد ينهار قصاد ستة أشهر من الحب اللى ضاعوا عليا.
بعد ساعة، الجراح أكد إن ليليان هتعيش رغم إصابات رجلها، وضلوعها المتأثرة، وارتجاج المخ، وإصابة داخلية. قعدت جنبها وهى فاقدة الوعى، وحاضن بنتنا، وهمست: “مكنتش أعرف يا حبيبتى.. أقسم بالله ما كنت أعرف”.
الساعة تلاتة الفجر، غازى جه ومعاه أخبار تهد الجبال.
“واحد شاف عربية دفع رباعى سودا صدمت عربية ليليان بعمد. وبعدها اتنين راحوا ناحيتها، بس سواق نقل صرفهم وهربوا.”
بصيت لجنّة اللى كانت نايمة فى أمان على كتفى.
“دول مكنوش عايزين يضايقوا ليليان.. دول كانوا عايزين بنتنا.”
تثانى يوم بعد العصر، ليليان فاقت على صوت ضحك جنّة. كنت واقف جنب الشباك بعمل حركات مضحكة بوشى، وحاطط فوطة على كتفى وملطوشة بهدوم البيبى.
“نزلها”، قالتها ليليان بحدة.
“يا ليليان من فضلك—”
“أنت قلت مش عايزها!” عينيها اتملت دموع. “بعت لى رسالة يا مراد.. ومعاها فلوس، وأوراق ممضية بتقول إنك مش عايز أى صلة ببتنا!”
جسمى كله اتخدّر.
“أنا ما بعتّش لك حاجة أصلًا.”
وشها اتغير من الغضب لعدم التصديق.
وهنا ظهر غازى على باب الأوضة، وماسك فى إيده ظرف مقفول طلعه من عربية ليليان المحطمة.
“يا باشا”، قالها ووشه أصفر. “لازم تشوف التوقيع اللى على الظرف ده مين…”
#حكايات_شروق_خالد
#حصري_علي_الصغحه
مددت يدى ببطء وأخذت الظرف من يد غازى. أصابعى كانت ترتجف وهى تفتح الورقة المطوية بدقة.
وقفت ليليان تتابعنى بنظرات حارقة، بينما كانت جنّة تلهو بأزرار قميصى غير متذوقة لبرودة اللحظة التى تكاد تعصف
بما تبقى من حياتنا.
نزلت عينى على التوقيع فى أسفل الصفحة.
توقيعى أنا.. بخط يدى، وتفاصيل بصمتى التى لا يمكن لأحد تزويرها بهذه الدقة المطلقة. لكنى لم أوقع هذا الورق قط.
قالت ليليان بصوت مخنوق بالدموع وهى تشير للورقة: “شايف؟ كنت بتحطنى أنا وبنتنا فى الكفة الخاطئة.. كنت عايز تتخلص مننا بهدوء وتأمن نفسك!”
رفعت عيونى إليها، وقال صوتى أجشاً متألماً: “اقسم بربى يا ليليان ما أنا اللى كتبت ده.. حد بيلعب بينا.. حد عايز يفرقنا للأبد.”
قبل أن ترد، انفتح باب الغرفة بقوة ودخل غازى ووجهه يخلو من أى لون، مسك هاتفه بيده وفتحه أمامى مباشرة.
“يا باشا.. رصدنا عربية الدفع الرباعى اللى خبطت ليليان.. والللى سايقها مش حد غريب، ده ‘عمر’.. السواق الشخصى بتاع فريد.”
اتقدت عيناى غضباً. كل خيوط اللعبة تجمعت فى نقطة واحدة. فريد لم يكن يكتفى بمراقبتى أو إنذارى بالصور، بل
اخترق دائرتى القريبة، وزوّر توقيعى ليوهم ليليان أننى تبرأت منها، وعندما فشل فى إخضاعها بطرق أخرى، دبر حادث الطريق ليأخذ ابنتنا من قلب حضنها.
نظرت إلى ليليان التى شحب وجهها وهى تستوعب الحقيقة، وإلى جنّة البريئة التى فتحت عينيها الواسعتين لتنظر إلى وجهى المشتعل غضباً.
“المرة اللى فاتت سكت وحميتك بالطريقة الغلط”، همست
وأنا أقترب من سرير ليليان وأمسك كفها البارد برفق. “المرة دى.. مش هسيبهم يشوفوا بكرة.”
#حكايات_شروق_خالد
#حصري_علي_الصغحه
سحبت نفساً عميقاً، ثم التفتُّ إلى غازى الذى كان يقف فى انتظار أى إشارة منى، وعيناه تشعان تصميماً وعدиّاً لا يعرف الرحمة.
“اسمعنى يا غازى كويس”، قلت بصوت منخفض وحاد يقطع صمت الغرفة. “فريد مفكر إنه لعبها صح، وإنه يقدر يدخل بيتى ويلعب بعائلتى. اجمع الرجالة كلها، اقفل كل طرق خروجه من البلد، ومتروكش جحر ممكن يستخبى فيه إلا وتفتشوه. أنا عايز فريد قدامى خلال ساعة.. حياً، ومش عايز أقولك الباقى.”
أومأ غازى برأسه برهبة، واستدار بخطوات سريعة وثابتة
لينفذ الأوامر، وكأن بركاناً قد انفجر فى المكان.
التفتُّ بسرعة إلى ليليان. كانت ترمقنى بنظرات ممتزجة بالدهشة والصدمة والخوف، لكنها رأت فى عينى هذه المرة شيئاً مختلفاً تماماً.. شيئاً يخبره قلبها بأننى ما زلت ذلك الرجل الذى يحميها بدمه، مهما كانت العواقب.
“ليليان”، قلت وأنا أقبض على كفها بحرارة، بينما كانت جنّة تئن خفيفاً فى حضنى وكأنها تشعر بتوتر الأجواء. “كل حرف قولتهولك حقيقي. أنا بعدت عنك عشان أمنع فريد من إنه يوصّل إيده ليكى.. كنت فاكر إنى كده بحميكِ، لكن طلعت غبي.. سبت ثغرة قدر يدخل منها ويدمرنا. حقك، وحق بنتنا، هيرجع تضاعف مية مرة. أقسم بربى ما هخلي فريد يشوف نور الشمس تاني.”


