
قعدت أخلط أوراق التاروت بتاع اختي للمرة الأخيرة قبل ما ألمه في قماشته الحريرية، وسط سكون ليل القاهرة المتأخر.
سوق وسط البلد كان بيفضل زحمة لحد وقت متأخر، بس على حوالي الساعة عشرة ونص، الناس بدأت تخف وكل واحد راح على بيته الدافئ أو القهوة، وسبوني لوحدي ألمّ حاجتي. المحلات اللي جنبي قفلت أنوارها، وما بقاش فيه صوت غير العربيات البعيدة وهي ماشية على الكورنيش. طويت مفرش الترابيزة المخمل بخضوع، ومسحت صوابعي على الأقمار والنجوم اللي “جميلة” طرزتها بإيديها من ثلاث سنين، لما كانت لسه بتريق عليّ وعلى أي حاجة بؤمن بيها.
الورق ده كان في الأصل بتاعها – هدية من جدتنا قبل ما ربنا يتوفاها. ودلوقتي بقى بتاعي؛ ميراثي، وهمي، والخيط الوحيد اللي لسه رابطني بتوأم ما بطلتش اشتياق لها، وبعد ثلاث سنين لسه مش متعودة على السكتة اللي سابتها مكان ضحكتها.
“بعد إذنك… إنتي لسه بتقرأي طالع النهاردة؟”
الصوت قطع الليلة بطريقة فيها إنّ، عميق ولهجته هادية وثابتة. رفعت عيني من الشنطة. لقيت قدامي راجل واقف عند طرف البسطة، ببدلته السوداء الشيك اللي مش متعودة تشوفها في أزقة السوق ده. طويل، وشعره الأسود مصفف لورا، ووشه مرسوم بزوايا حادة ونظرة صارمة. عيونه السوداء الغامقة خطفتني من أول نظرة تحت النور الضعيف، وخلتني عايزة أرجع لورا من غير سبب واضح.
“أنا قفلت،” قلتها وانا باصّة في عيونه ومحافظة على ثبات صوتي. في السادسة والعشرين من عمري، وفي أنواع رجالة بتخلي الواحد يقلق من سكات. “فيه زميل تاني بيجي في آخر الأسبوع. ممكن أديك معاد للأسبوع الجاي.”
“ما عنديش وقت للأسبوع الجاي.” خطى جوه المكان ووقف قدامي مباشرة. من القرب ده لاحظت كل تفصيلة غرائزي قطفتها في ثواني – ندبة خفيفة جنب ودنه، وإيدين تحس إنها متعودة تخلص الأمور بقوة أو بحسابات صارمة. “أنا محتاج قراءة النهاردة. وهدفع قد أجرك مرتين.”
طريقة كلامه ما كانتش حاجة ينفع تترفض بسهولة، مش خوف بالمعنى المفهوم، بس إحساس خفي بيقول إن فيه مصيبة أو حاجة كبيرة هتحصل.
“ألف جنيه،” لقيت نفسي بقولها، مع إن أجري العادي خمسمائة.
طلع محفظته من غير ما يرمش، وعد خمس ورقات من فئة المية ولا المئتين – لا، استنى، خمس ورقات كبار واداهم لي على الترابيزة وهي جديدة بلمعتها. “دول ألف وخمسمائة،” قلتها وأنا مدستش عليهم.
“أنا عارف.” عيونه ما اتحركتش من على عيني. “عشان وقتك. وعشان السرية.”
كان المفروض أقوله امشي، ألمّ ورقيس وأطلع على شقتي الصغيرة في الدقي. بس بدل كده، رجعت فرشت القماش تاني. “اقعد.”
قعد على الكرسي قصادي، وحركته كانت خفيفة وغريبة على حجمه وهيبته. طلعت ورق جميلة، وشعرت بريحته المألوفة وريحة برفانها القديم اللي لازق فيه، والذكريات دخلت في بعضها.
“سؤالك إيه؟” سألته وأنا ببدأ أخلط الورق.
“ما عنديش سؤال.” اتسند لورا وابتسم بهدوء مقلق. “أنا عايز أعرف إنتي شايفه إيه.”
مش دي الطريقة اللي التاروت بيمشي بيها أصلاً، بس اتعلمت ما جادلش الزبون اللي بيلفع الفلوس بالشكل ده. خلطت الورق لحد ما حسيت إنه تمام، وعملت طرحة “الصليب السلتي” على المخمل – نفس الطريقة اللي جميلة علمتها لي وإحنا لسه بنات.
“المحبان” في الوضع الحالي. “البرج” مقلوب في الماضي القريب. “عشرة هموم” تحت السطح. بطأت إيدي وأنا بقلب البطاقة الرابعة. “التحول” – مش نهاية حرفية، بس تحول قاسي وورا بعضه. “سبعة كؤوس” للمستقبل المحتمل. “كأسان” للمستقبل القريب. “الإغراء” في طريقة نظرتها لنفسه. “العدالة” في نظرة الناس ليه. “القمر” في الخوف والآمال.
وقفت لحظة قبل البطاقة الأخيرة، وصوابعي بتلعب فوقيها. النتيجة النهائية اللي هتربط الخيوط ببعضها أو تفجرها.
“اتفضل،” قلتها بصوت هادي. “تقدر تستحمل.”
قلبتها. “آس الكؤوس”.
فضلت باصّة للطرحة مدة طويلة، وبعدين رفعت عيني للراجل ده ببدلته الغالية وسكونه اللي يقلق، وحسيت بنقرة في صدري.
“إنت في وسط صراع كبير،” قلت ببطء وأنا بقرا اللي الورق بيقوله. “البرج اللي في ماضيك معناه إن فيه حاجة ضخمة بنيتها وقعت واتدمرت بعنف. ولحد دلوقتي بتدفع ثمن خذلان حصل.” شورت على عشرة الهموم. “شخص قريب منك.. أو أكتر من حد.” ما علقش خالص، بس فضل باصص لي بنظرة ثابتة تتوتر. “التحول هنا معناه تحول جذري ونهاية لوجع قديم، مش نهايتك إنت. بس الإغراء بيقول إنك عايش جوه دايرة سلطة وسيطرة، فاكر إنك إنت اللي سايق، بس فيه حاجة تانية هي اللي مسكاك من رقبتك من حيث لا تدري.” لمست بطاقة الكأسن، وبعدين المحبان. “والبقية بتقول إن فيه حب جاي، وقريب قوي، يمكن بيحصل من غير ما تحس بيه أصلاً؛ ارتباط حقيقي، وآس الكؤوس في الآخر بياكد ده: حاجة نقية وواضحة هتظهر وسط كل الضلمة دي.”
سكت شوية، والجو حوالينا كان كأنه كتم نفسه.
“إنت على وشك الوقوع في الحب،” قلت وأنا باصص جوه عيونه الغامقة. “قريباً جداً.. يمكن الليلة دي.”
فضل ساكت فترة طويلة. وبعدين شفايفه اتحركت لابتسامة خفيفة، مش ابتسامة فرح، دي ابتسامة يقين مطلق.
“أنا عارف،” قالها بطريقة خلت رعشة باردة تنزل في ظهري؛ مش ضغط، دي كانت ثقة واحد شاف المستقبل ده وخلاص، قرر يستسلمه.
“القمر،” كملت كلامي لأني كنت عايزة أخلص، “بيقول إنك خايف من الأوهام والخداع اللي اتعرضت له قبل كده. والعدالة بتوضح إن العالم بيشوفك كشخص بيمشي بقوانينه الصارمة وما بيعذرش.”
“فطين قوي.” وقف، وظبط زرار الجاكت بإيد واحدة. “اسمك إيه؟”
“فرح،” قلتها من غير ما أفكر ليه. “فرح الشريف.”
“فرح الشريف.” قالها وكأنه بيطبعها في دماغه. “أنا حمزة.” اسم من غير أي ألقاب. كان المفروض أسأل أكتر، بس قلبي قال لي ابعدي.
مد إيده، وانكمشت ثانية قبل ما أفهم إنه بيودعني. مسكتها، وأول ما كفوفي لمست إيده، حسيت بكهربا خفيفة سرت في ذراعي. إيده كانت دافية وخشنة. لثلاث ثباتات وقفنا قصادي، والشارع حوالينا هادي.
“شكراً يا فرح الشريف،” قالها. “هفتكر الليلة دي كويس.”
ساب إيدي ومشي خطوتين لبرا البسطة، وراح ناحية عربيتين سودا فارهين كانوا واقفين بهدوء على الناصية، وركب واحدة فيهم، والعربيتين اتحركوا بهدوء واختفوا في زحام القاهرة.
قفت لوحدي، وإيدي لسه بتنبض مكان لمسته، ونزلت عيني على الورق المتبعثر على الترابيزة: خطر.. حب.. تحول.. اختيار.
لمّيت الورق بسرعة، لفيته في الحرير، وحطيته في الشنطة جنب فلوسه، وإيدي كانت بتترعش شوية. حسيت إن حياتي اتغيرت للأبد من اللحظة دي.. وما كنتش أعرف لسه إن بكرة الصبح هيكون بداية زلزال هيقلب كل حاجة كنت فاهمة إنها أمان.
يوم الإثنين الصبح، كنت قاعدة في كشكي كالعادة، بس الهواء كان برد والشاي اللي جبته من القهوة اللي جنبي برد من غير ما أشرب منه نقطة. عيني كانت مصلبة على الباب بتاع المحل اللي قصادي، وعلى الفلوس الخضراء الجديدة اللي حطيتها جوه شنطتي امبارح بالليل كأنها بتلسعني.
مع دقات الساعة حداشر، ظهرت العربيتين السودا اللي شفتهم امبارح. وقفوا باناكة على ناصية الشارع، ونزل منهم أربعة رجالة ببدل واضحة تحتها حراسة، فتحوا باب العربية اللي ورا، وطلع منها حمزة.



