دخل زعيم عصابة كبير يخاف منه الكل مطعمي وهو شايل طفل صغير المفروض إنه بيرفض أي حد، وفجأة أمرني أشيله لما الولد بدأ يمد إيديه ليا بلهفة. وفي اللحظة اللي استكان فيها ابنه بهدوء على صدري، وش الرجل اصفر وهمس: “أمه بس اللي كانت تقدر تعمل كده.” وبعدها لمحت الصورة اللي متقعدة ورا البار، وكانت الست المتوفية اللي فيها شبهي بالظبط.
أنا اسمي ندى، ولحد الليلة دي، كان أكبر خطر في حياتي هو إنه يفوتني ميعاد الإيجار.
كنت في نص الشفت التاني المجهد في مطعم “أوريلو” لما القاعة كلها سكتت فجأة.
دخل راجلين ببدل سودا الأول.
وبعدهم دخل هو.
طويل. عريض. ندبة على خده. ووشوم متدارية تحت ياقة قميصه الغالي.
كل اللي شغالين في المطعم كانوا مرعوبين منه.
بس أكثر حاجة قلقتني كانت الطفل اللي بين إيديه.
ماكانش مكمل تسع شهور. شعره أشقر، وعينيه جادة، ولابس سديري أسود صغير. مدير المطعم حذرني بصوت واطي وأنا رايحة طاولتهم إني ما أغلطش أي غلطة.
بالكاد لحقت أعرّف نفسي قبل ما الولد يفضل يبصلي.
وبعدين مد إيديه.
مش بشكل عادي.
ده كان بلهفة.
إيديه الصغيرين اتمدوا ناحيتي وأبوه بيحاول يسحبه لورا. والولد بدأ يعيط في ساعتها.
واحد من الحراس كشر وقال:
“هو مابيحبش الغرباء.”
بس واضح إني ماكنتش غريبة بالنسبة له.
لما قربت خطوة، العياط وقف.
إيده الصغيرة مسكت في المريلة بتاعتي.
فأبوه شال إيده ببطء.
فالولد مسك في صباعي الكبير بدالها.
في اللحظة دي ملامح الراجل اتغيرت.
“شيلي.”
بصيتله وقلت: “أفندم؟”
“ابني… شيلي.”
كل غريزة جوة جسمي كانت بتقولي إن دي فكرة زفت.
بس الولد ماكانش راضي يسيبني.
فأخدته.
وفي اللحظة اللي جسمه لمس جسمي، أغمى عليه على صدري واستريح خالص.
مفيش عياط.
مفيش خوف.
مجرد تنهيدة صغيرة وطويلة، كأنه أخيراً لقى الحاجة اللي كان بيدور عليها.
زعيم العصابة بصلنا كأنه شاف عفريت.
وهمس: “ده مابيرضاش يخلي أي حد يشيله… لا المربيات، ولا أختي، ولا أي مخلوق.”
بلعت ريقي وقلت:
“طب وليه أنا؟”
عينيه قسيت وقال:
“أمه بس اللي كانت تقدر تهديه بالشكل ده.”
حسيت بتلج نزل في معدتي.
وقبل ما ألحق أرد، حاجة وراه لفتت نظري.
صورة قديمة متقعدة جنب البار.
عديت من جنبها مئات المرات.
بس عمر ما دققت فيها بصراحة.
كانت فيه بنت صغيرة في الصورة لابسة فستان أسود. شعرها أسود ونازل على وشها. وعندها غمازة صغيرة في خدها الشمال.
غمازتي.
عينيا.
بتسامتي.
وشي بالظبط تقريباً.
الولد حَضَنِّي أكتر وسكن.
وأبوه بدأ يبص ببطء في الاتجاه اللي أنا باصة عليه ناحية الصورة.
ولأول مرة الليلة دي، أكتر راجل خطر في المكان كله كان باين عليه الخوف.
عشان الست اللي في الصورة دي ماكانتش أنا.
بس كانت تنفع تكون توأمي.
وباين من وش الراجل، إنه عارف هي مين بالظبط.
#حكايات_شروق_خالدساد صمت ثقيل في المكان.
كانت عينا الرجل متسمرتين على الصورة، ثم تحولتا بطريقة مرعبة ونظرتا إليّ. لم تكن النظرة مجرد غضب أو دهشة، بل كانت خليطاً من الصدمة والشك والذعر المكتوم.
“إنتي مين؟”
خرجت الكلمة من بين أسنانه بصوت خفيض كالفيز.
بلعت ريقي بصعوبة وأنا أحس بنبضات قلب الطفل الصغير المنتظمة على صدري، وقلت بصوت يرتجف: “أنا ندى… ندى الشناوي. شغالة هنا من ست شهور.”
أشار بيد خاطفة لحارسه، فتقدم الحارس فوراً وأخرج هاتفه المحمول، يبحث في بيانات بسرعة فائقة، ثم أمال الهاتف نحو سيده وهو يهمس: “تمام يا باشا… اسمها ندى، ٢٤ سنة، عايشة لوحدها في شبرا، ومفيش أي سوابق أو شبهة.”
لم يرتح وجه الرجل مطلقاً. بل على العكس، زاد توتره وهو ينظر للطفل المتمسك بي وكأنه وجد أمه التي دفنها بيده.
“فريدة…”
تمتم بالاسم تحت أنفاسه، وارتعشت يده التي كانت تعتصر الجاكيت لأقل من ثانية قبل أن يستعيد سيطرته الكاملة على نفسه.
“أستاذة ندى،” قالها بنبرة آمرة لا تقبل النقاش، “هتيجي معانا.”
تراجعت خطوة للخلف فوراً، واحتضنت الطفل تلقائياً لحمايته: “أجي فين؟! حضرتك فاهم غلط، أنا معرفش الست اللي في الصورة دي، ولا عمري شفتها!”
خطا خطوة واحدة ونحوي، وانخفضت درجة حرارة المكان كأننا في صالة عرض موتى: “أنا مش بطلب منك… أنا بأمرك. ابن (حمزة الألفي) مش بيهدى في إيد حد غيرك، وفي حاجات كتير محتاجة تتفسر الليلة دي.”
حمزة الألفي.
سرت قشعريرة في جسدي كله. لم يكن مجرد رجل أعمال أو صاحب نفوذ، بل كان الاسم الذي يتهامس به الجميع في الخفاء؛ رجل يخشاه الكبار قبل الصغار، ويمتد نفوذه عبر تجارات لا يستجرئ أحد على السؤال عنها.
نظر مدير المطعم إليّ بعينين تتوسلان ألا أثير المشاكل، وهو يرتجف خوفاً.
“لو سمحت يا باشا…” حاولت الكلام.
قطعني حمزة بنظرة حادة: “قدامك دقيقة تجمعي حاجتك. وإذا كنتي خايفة على نفسك، فابني بين إيديكي… وده أكبر ضمان لأمانك.”
نظر للطفل الذي فتح عينيه الصغيرتين ونظر إليّ بابتسامة خفيفة، ثم وضع رأسه مجدداً على كتفي وأغلق عينيه مطمئناً.
أدركت في تلك اللحظة أن حياتي البسيطة والهادئة قد انتهت بلا رجعة، وأن سر الصورة وشبيهتي الميتة سيفتحان عليّ أبواب جهنم.
#حكايات_شروق_خالدخلعت مريلة المطعم بأيدٍ ترتجف، وأخذت شنطتي الصغيرة من الغرفة الخلفية تحت أنظار زملائي اللي كانوا بيبصولي بنظرات وداع كأني رايحة المشنقة. مدير المطعم كان واقف في زاوية بعيدة، بيهز رأسه بالرفض ومش قادر ينطق كلمة واحدة.
خرجت مع حمزة الألفي والحراس.
أول ما طلعت الشارع، كانت فيه ثلاث عربيات سوداء زجاجها فاميه قفلوا الشارع تقريباً. فتح الحارس باب العربية اللي في النص، وقعدت في الكنبة الخلفية وأنا ماسكة الولد بين إيديا وبضمه لصدري. حمزة قعد جنبي، وحجمه وهيبته كانوا ماليين العربية بالكامل.
العربية اتحركت بهدوء شديد وسلاسة. الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو أنفاس الطفل المنتظمة وهو نايم في حضني.
حمزة كان باصص من الشباك، بس كنت حاسة بعينيه بتركب كل حركة بعملها.
“اسمك الكامل إيه يا ندى؟” سأل بنبرة هادية بس تقيلة.
“ندى أحمد الشناوي.”
“وأهلك فين؟”
“والدي ووالدتي اتوفوا في حادثة وأنا عندي عشر سنين… تربيت في بيت خالتي في الإسكندرية، ولما تخرجت جيت القهراوية أدور على شغل وأعيش لوحدي.”
تسمرت نظرة حمزة عليّ لما سمع كلمة “الإسكندرية”. عينيه ضاقت وبصلي بتركيز مرعب: “فريدة كمان كانت من الإسكندرية.”
قلبي اتخلع من مكانه: “حضرتك أنا والله ما أعرفها! ولا عمري شفتها قبل كده! الصورة اللي في المطعم أنا شفتها بالصدفة الليلة دي لأن…”
رُفع إيده ببطء عشان يسكتني.
“أنا مش بتهمك يا ندى. بس مفيش صدف بالبشاعة دي. فريدة مراتي اتقتلت من ست شهور… نفس اليوم اللي الولد اتولد فيه. ومن يومها، يونس مابيرضاش يخلي أي كائن يشيله. حتى أختي اللي كانت معاه من يوم ولادته، لما بتمسكه بيفضل يعيط لحد ما يقطع النفس.”
بص لابنه اللي نايم في أحضاني، وعينيه القاسية ظهر فيها طيف ألم مكتوم جداً: “اللي حصل النهاردة مش مجرد شبه… الولد حس بحاجة أنا نفسي مش فاهمها.”
بعد حوالي نص ساعة، العربية دخلت من بوابات حديد ضخمة لفيلا واسعة جداً في منطقة التجمع. سور عالي، كشافات إضاءة، وحراس مسلحين في كل زاوية.
العربية وقفت، ونزل حمزة وفتحلي الباب بنفسه.
“انزلي.”
نزلت وأنا خايفة أتحرك حركة غلط تصحي يونس. دخلنا السرايا من جوة، المكان كان فخم جداً بس برودته يخوف… مفيش فيه روح، كأنه متحف مهجور.
أول ما دخلنا، نزلت ست في الأربعينيات من على السلم بخطوات سريعة. كانت لابسة أسود في أسود وملامحها حادة وشديدة الجدية.
“حمزة! تأخرت ليه؟ ويونس فين كل ده—”
اتسمرت مكانها لما شافتني.
عينيها وسعوا بصدمة ورعب حقيقي، وخطواتها وقفت على السلم. إيدها راحت على صدرها وهي بتبصلي وكأنها شافت ميت قام من قبره.
“فـ… فريدة؟!” صرخت بصوت مخنوق.
حمزة قال بنبرة جافة: “دي مش فريدة يا نجلاء… دي ندى.”
نجلاء نزلت بقية السلم بسرعة وجت ناحيتي، عينيها بتتفحص وشي من فوق لتحت بدقة مرعبة: “يعني إيه مش فريدة؟! دي هي! نفس العيون، نفس الغمازة، نفس كل حاجة! حمزة إنت جبت دي منين؟! ومين دي أساساً؟!”
وفجأة وهي بتتكلم بصوت عالي، يونس بدأ يتململ في حضني، وفتّح عينيه الصغيرين وبدأ يعيط بالراحة.
نجلاء مدّت إيدها فوراً عشان تاخده مني: “هاتيه يا ندى… هاتي الولد.”
أول ما إيد نجلاء لمست هدوم يونس، الولد صرخ بعلو صوته وبدأ يرفس بإيديه ورجليه وشهق بعياط هيستيري، ومسك في بلوزتي بفرط رعب!
تراجعت خطوة لورا تلقائياً وأنا بهديه: “بس بس يا حبيبي… أنا هنا، أنا معاك.”
في ثواني معدودة، أول ما يونس حس بيّ وبدأت أطبطب على ظهره، صراخه قل بالتدريج ولزق وشه في رقبتي وهو بيتنهد.
نجلاء إيدها اتجمدت في الهواء، وبصت لأخوها حمزة بنظرة كلها شك وخوف.
حمزة قرب مني، وبصلي بملامح حجرية مفيهاش أي رحمة وقال: “زي ما شفتي يا نجلاء… يونس اختار.”
وبعدين بصل وقال بصوت حاسم لا يقبل النقاش: “ندى… من الليلة دي، إنتي مش هترجعي بيتك ولا شغلك تاني. إنتي هتعيشي هنا.”
#حكايات_شروق_خالد


