
ولما دخلت تمريض وزنقت في المصاريف، أجّلت دفع مقدم العربية بتاعتي ودلعت لها الدنيا ودفعت الفرق من جيبي.
ولما أمنا فضلت تلومها على خطوبة فاشلة بوظت حياتها، أنا اللي قعدت على الترابيزة دي في المطبخ وقلت لها: “لو عاوزين تطلعوا عقمتكم في حد، طلعوه فيا أنا.”
استنزفك عاطفياً؟
الكلمات دي مش لغتي.. مش طريقتي.. ولا عمري فكرت فيها حتى.
سألتها بصوت شبه ميت: “وامتى بالظبط قلت الكلام ده؟”
نادية مسحت دموعها بكم الروب بتاعي:
“في شهر مارس اللي فات.”
كريم دخل في النص ووقف بيننا:
“خلاص بقى، كفاية.”
بصيت له بنظرة خلته يسكت.
هو بطل يتشطّر وبطل يمثل إنه مظلوم.
دلوقتي كل همه يقفل الحوار ده بأي طريقة.
وده معناه كتير عندي.
“ابعد،” قلت له.
“يا فريدة..”
“بقول لك ابعد.”
ملامحه تحجرت:
“إنتي مش في عقلك من الصدمة، اقعدي هدي أعصابك الأول قبل ما تخرفي بحاجات تندمي عليها.”
هو ده..
الصورة اللي رسمها في دماغه ليا وعاوز يشوفني فيها.
منفعلة، متهورة، صوتي عالي، وسهل يضحك عليا.
لو فضل هو هادي هيسيطر.
فقلت أغير له السيناريو تماماً.
مديت إيدي، أخدت تليفونه من على حوض الحمام وحطّيته قدامه:
“خد.”
بص لي باستغراب:
“ايه؟”
“خد تليفونك، البس هدومك، واقلع من هنا فوراً.”
عينيه ضاقت بغضب: “دي شقتي!”
#حكايات_شروق_خالد
#حصري_علي_الصغحه
“يبقى نام في غرفة الضيوف.”
“إنتي مفكرة نفسك مين عشان تطرديني؟!”
“أنا لسه طارداك حالا.”
نادية بصت لي ومرعوبة ومش عارفة تاخد جنب ولا تترعب منه.
كريم حدق فيا ثانية، وبعدين خطف تليفونه من إيدي بغيظ:
“هو انتي بايعاني عشانها؟!”
الجملة دي نزلت بطريقة غريبة.
بصيت لنادية.
لقيتها مكسورة ومذنبّة.
وهو.. غضبان.
مش ندمان.
مش مكسوف إنه اتقفش.
لأ، غضبان عشان أنا مش ماشية على المزاج اللي رسمه لي.
“أنا مش بايعك عشانها،” قلت ببرود، “أنا ببساطة مش هتناقش معاك وأنت واقف تدّعي البراءة.”
ولأول مرة طول الليلة، كريم مكنش عنده رد جاهز.
لم هدومه، قميصه وجزمته، وخرج حافي زي ما هو.
باب الأوضة اتقفل بقوة لدرجة إن مرآة التسريحة اهتزت.
نادية نطت من الخضة.
أنا اتحركت بهدوء، وقفت قدامها.
عيونها جابت آخرها في العياط:
“أنا آسفة.”
“عارفة.”
“لا والله إنتي مش فاهمة..” صوتها اتقطع. “أنتِ متعلميش حاجة.”
“ولا إنتي كمان.”
سكتت وبلعت كلامها.
شاورْتُ على الروب:
“اكتبي على نفسك حاجة.. غيري الزفت ده.”
وشها انكمش بوجع.
كنت كارهة إني بطلب منها كده.
وكارهة أكتر إنها فاهمة أنا ليه طالبة ده.
بعد خمس دقايق، كنا قاعدين إحنا الاتنين على طرف السرير، كل واحدة في ناحية.
نادية لافة نفسها في سويت شيرت قديم بتاعي، وإديها بترجف وهي ماسكة التليفون.
كنت عاوزة أسألها من امتى الحكاية دي؟
كنت عاوزة أسألك فين وفين؟
كنت عاوزة أعرف كام مرة دخلت بيتي وقعدت تاكل وتشرب في صحني وهي بتمثل علي!
بس بدل كل ده، سألت بجمود: “هاتي الرسالة.”
رفعت وشها باستغراب:
“رسالة إيه؟”
“اللي قلت فيها إني زهقت منك واستنزفتني عاطفياً.”
ترددت ثواني.
وبعدين فتحت الشات اللي بينها وبين كريم.
قربت منها..
وهناك.. كانت الرسالة.
مش رسالة مني أبداً..
دي رسالة منه هو ليها:
> “فريدة خلاص مبقاش فيها حيل ليكي، وقالت بالحرف الواحد إنك (استنزفتيها عاطفياً وبقت مفرودة منك). متواجهيهاش عشان هتنكر كالعادة.”
>
قريت الرسالة مرتين.
وبعدين بصيت على التاريخ.
١٤ مارس.
سلسلة من البرد سرت في جسمي كله.
لأن يوم ١٤ مارس ده بالذات، أنا ونادية قعدنا ندردش ونبعت مسدجات ونضحك سوا تقريباً ساعة كاملة على الواتساب!
افتكرت اليوم ده كويس، عشان هي كانت باعتة لي صورة من المستشفى وهي تعبانة في الشفت بتاعها، وأنا قلت لها تعدي عليا تغدي معايا وتفصل شوية.
أنا كنت متأكدة إن الشات ده عندي.
أو كنت مفكرة كده!
قمت فجأة بخضة خلت نادية تتنفض:
“في إيه؟”
“في آيباد قديم مرمي في الأوضة التانية.”
كريم طول عمره بيطنز عليا إني بخزن كل حاجة ومبحبش أحذف حاجة من السحاب (Cloud).
صور قديمة.
شاتات عائلية.
فواتير.
سنين من الكلام متخزن ومحدش بيبص عليه.
وش نادية اصفر خالص:
“تقصدي إيه؟”
“أقصد إني لو كنت نطقت بحرف واحد زي ده في يوم من الأيام، فـ الآيباد ده هيكون مسجل أنا قلت إيه بالظبط!”
تليفونها تهز في إيدها فجأة.
رسالة من كريم.
بصت للشاشة برعب.
وبعدين رفعت عيونها ليا.
كاتب لها كلمتين وبس:
> “إياكي تخليها تغسلك وتخليكي تنقلبي عليا دلوقتي.”
>
نادية قريت المسدج مرتين وهي بتبتلع ريقها بصعوبة.
المرة دي.. متكلمتش ولا حتى ردت عليه بكلمة.
سيبتها ومشيت في اتجاه الأوضة اللي فيها المكتب.
وسمعت خطواتها الهادئة بتترجف وهي بتقوم ورايا.
#حكايات_شروق_خالد
#حصري_علي_الصغحه



