
مرت سنة كاملة على اليوم ده، وسنة تانية بدأت تكمل شكل حياتي الجديدة.
مبقيتش “بوسي” عاملة النظافة اللي بتعدي في الممرات كأنها ظل، ولا بقيت البنت المقهورة اللي شايلة هم الفواتير والديون. رجعت لكلية التمريض، وكل محاضرة كنت بحضرها كان كلام أمي الله يرحمها بيرن في ودني، لحد ما قدرت أحصل على شهادتي وامتيازي اللي ضاعوا زمان.
في برج النيل، مبقاش اسمي مرتبط بالزبالة والمسح، بقيت المسؤولة الأولى عن أرواح آلاف الموظفين والزوار اللي بيعدوا من أبواب البرج كل يوم. أي جهاز طوارئ، أي تدريب إسعافات أولية، أي حالة إغماء أو أزمة مفاجئة، بقيت إيدي هي أول إيد توصل.
وكل مرة كنت أعدي فيها من قدام الأسانسير في الدور الخامس والأربعين، كنت بوقف ثواني أبص على الدربزين النحاس، وأفتكر اللحظة اللي الموت كان قريب فيها قوي، وإزاي الحياة قررت ترجع تاني من بين إيديا.
أما زكي بيه… فمكانش مجرد رئيس الشغل اللي أخدت منه ترقية وفرصة تانية. مع الوقت، بقى شريك حقيقي في كل خطوة تطوير عملناها جوه البرج. انضمينا سوا لعدة مبادرات لدعم أسر العمال والموظفين البسيطة، وكان دايماً يكرر في كل اجتماع كبير: “فيه ناس بنشوفها كل يوم ونفتكرها جزء من الحوائط، وفيه ناس بتبان لما الصعبة تِشتد وتبين معادن الرجال… والستات كمان.”
في يوم من الأيام، وأنا واقفة في مكتبي براجع جداول تدريبات الطوارئ لفريق الأمن الجديد، الباب خبط ودخل زكي بيه وفي إيده ملف خاص بتوسعة المستشفيات الخيرية اللي الشركة بتمولها.
بصلي بابتسامة خفيفة وقال: “جاهزة للمؤتمر بكرة يا دكتورة؟ الصحافة كلها هتبقى موجودة عشان تغطية افتتاح وحدة الطوارئ الجديدة اللي صممتيها بنفسك.”
قفلت الملف ورفعت راسي، وابتسمت بكل ثقة: “جاهزة يا بيه… وكل حاجة تحت الكنترول.”
سكت شوية، وبعدين قال بنبرة هادية كأنه بيفكر في حاجة قديمة: “عارفة يا بوسي؟ لغاية دلوقتي كل ما بحط إيدي على جنبي وأفتكر الضلع اللي اتكسر، بشكر اليوم ده.”
ضحكت بصوت خفيف وقلت له: “بعد كده يا زكي بيه.. لو حسيت بأي تعب، استنى لحد ما آجي بنفسي، ومفيش داعي نكسر ضلوع تانية.”
ضحك ضحكته العالية اللي ماليت المكتب، وقال وهو بيخرج: “على العموم، قلبك اللي أنقذني.. هو اللي بيدي للبرج ده كله نبضه الحقيقي.”
وقفت قدام الشباك الواسع، بصيت على القاهرة من فوق.. وعلى النيل وهو بيلمع تحت نور الشمس، وحسيت إني أخيراً وصلت للمكان اللي المفروض أكون فيه.. لا خايفة، ولا مختفية، بس إنسانة قوية، وإيديها الاتنين.. لسه فيهم الشفا.
#حكايات_شروق_خالد
سر الدور الخامس والأربعين
#حكايات_شروق_خالد



