سياحة و سفر

​قهوة وفطيرة #حكايات_شروق_خالد

“محدش يهنكبنا ولا يهين إنسانة طيبة زيِك ويعدي بليلة سودا.. جه الوقت عشان نروح نزور البيه بهجت في مطعمه، ونعرفه إيه هو حق الكرامة كويس أوي.”
قبل ما ألحق أقول كلمة، لقيتهم بيشاورولي بحب واحترام:
“يلا يا أمي.. البسي حاجة تتدفي بيها، تعالي تعالي معانا، لينا مشوار صغير لازم نخلصه سوا في السويس.”
ركبت ورا صقر على الموتوسيكل الضخم، وقلبي كان بيدق بسرعة من الخوف والحماس في نفس الوقت. عشرات الموتوسيكلات فتحت طريقتها في شوارع السويس ورا بعض، والصوت كان عامل زي الرعد، لدرجة إن الناس في الشارع كانت بتقف تبص بذهول وتهرب من قدامنا.
في أقل من ربع ساعة، وقفنا قدام مطعم “الكوبر كيتل”.
الموتوسيكلات عملت سور بشري حوالين المطعم كله. الزباين جوه المطعم بَصُّوا من ازاز الواجهة، والكل اتخض. كأن غارة هجومية واقعة عليهم. بهجت كان واقف جوه عند الكاشير، بيعد الفلوس بابتسامة غرور، ولما شاف المنظر برة، وش الابتسامة اتبدل بلون أصفر خايف.
صقر نزل الأول، وبعدين نزلني بحرص، وفتح لي الطريق وسط رجاله اللي واقفين صفين بيعاملوني كأنني ملكة.
الباب اتفتح بصوت عالي وخبطة ركبت رعب في الكل. بهجت جرى وراء الكاشير وهو بيرتجف، وقال بصوت مبلوع:
“أ… أهلاً.. تحبوا تطلبوا إيه؟ المطعم لسه فاتح.. والمشروبات مش مجانية!”
صقر ما ردش عليه بكلمة. دخل بهدوء مرعب، وطلع من جيبه ورقة مطوية ورماها في وش بهجت على الكاشير.
“دي إيه دي؟” سأل بهجت وصوته بيترعش.
صقر بص له بنظرة تخلي أي حد يتمنى يشق الأرض وتبلعه، وقال بصوت عميق:
“دي عقد ملكية المطعم بالكامل.. اشتريناه النهاردة الصبح، من أول الكاميرات اللي علقتها لحد طوب الحيطان.”
بهجت عيونه وسعت على الآخر، وبصلي وأنا واقفة وراء صقر ومرفوعة الراس. قال بتوسل:
“دينا؟! إزاي.. هو في إيه؟!”
صقر قرب منه أكتر لحد ما بهجت لزق في الحيطة، وقال ببرود قاتل:
“أمي اللي طردتها من شوية ورميت مريلتها في الطين.. دي الروح اللي بتقوم عليها المصلحة دي كلها. ودلوقتي، يا شاطر.. قدامك دقيقتين بالظبط، تلم كشكولك وقمصانك الغالية، وتمسح بنفسك الطين اللي على المريلة دي، وبعدين تطرود برة المطعم زي ما عملت معها.”
بهجت بص حواليه لقى أربعين راجل ضخم واقفين بيدقوا على طاولات المطعم بعصيان غليظة، والصوت كان لوحده كفيل ينهي أي مقاومة.
ما صدقش نفسه، ولقيته بينزل على ركبه، وبيجري يلم المريلة من على الأرض بدموع وخوف، while الكل جوه المطعم ساكت تماماً ومش مصدق اللي بيحصل.

#حكايات_شروق_خالد
بهجت كان بيترعش زي الورقة في الريح، ودموعه كانت نازلة على خدوده وهو بيمسح المريلة بيد ميكانيكية مرتعشة من الخوف. مسح الطين عنها قدام الكل، وعيونه مكسورة وذليلة، والناس جوه المطعم قاعدة مسمرة في مكانها ومش مصدقة عينيها إن المدير المتطبرس بقى في الحالة دي.
صقر خد المريلة من إيده ببطء، ونفضها بحرص، وناولها لي وهو بيبتسم بحنان وتقدير:
“اتفضلي يا أمي.. مريلتك أطهر من إنها تلمس طين المكان ده تاني، ودي رجعت لصاحبتها الأصلية.”
مسكت المريلة وإيدي كانت بتترعش، حسيت بغصة في قلبي ودموع الفرحة والكرامة سالت על خدودي. لأول مرة من سنين طويلة أحس إن حقي رجع، وإن الدنيا لسه فيها ناس تَعْرِف أصول الجدعنة.
بهجت وقف وهو بينهج، وبص لي بصة كلها ذل، وقال بصوت مكسور:
“أنا.. أنا آسف يا دينا.. سامحيني.. أوسكار الشغل.. أرجوكِ ما تمشيش.”
بصيت له بثقة، وقولت بصوت قوي لأول مرة في حياتي:
“أنا ما بشتغلش عند أمثالِك يا بهجت.. اللي زيك ما يعرفش يعني إيه إنسانية، والجوع مش عيب، العيب هو قلة الأصل.”
صقر أشر لرجالة العصابة، وفي ثواني كانوا مسكوا بهجت من قمصانه الغالية، ورموه برة المطعم على الرصيف قدام المطر اللي كان لسه بيبتدي يرش.
بعدها، صقر لف ووشه للزباين وللعاملين اللي كانوا واقفين خايفين جوه، وابتسم وقال بصوت عالي:
“من النهاردة، مطعم الكوبر كيتل رجع لأصله.. القهوة مجانية لأي حد جعان أو محتاج، ومفيش بني آدم هيتهان هنا تاني طول ما إحنا موجودين.”
الكل صفق بحرارة، والمطعم املأ بصوت ضحكات وفرحة حقيقية.
وبعد يومين، وبالتعاون مع صقر ورجالته، قدرنا نبعت لأختي في الصعيد كل مصاريف العملية والعلاج في أفضل مستشفى، وبقت في طريقها للشفاء التام.
أما أنا، فبقيت قاعدة في المطعم مش جرسونة، لكن ملكة المكان، ومع كل فنجان قهوة كنت بقدمه لأي زبون غلبان، كنت بفتكر إن الكلمة الطيبة واللقمة الحلال أحياناً بتبني عيلة كاملة من أجدع وأقوى رجالة في الدنيا.

​قهوة وفطيرة

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى