
سحر.”
خلصت القراءة، والورقة بقت مبلولة من دموعي.
فضلت قاعد في الممر، مش قادر أقوم.
كنت فاكر إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لي هي إني أفقد سحر، لكني اكتشفت إن فيه حاجة تانية أصعب: إنك تكتشف قيمة إنسان بعد ما تكون خذلته، وإنك مهما حاولت تصلح، مش هتعرف ترجع كل لحظة ضاعت.
تاني يوم، حالتها استقرت نسبيًا، وسمحوا لي أقعد معاها وقت أطول.
دخلت الأوضة، لقيتها صاحية.
قالت: “قريت الجواب؟”
هزيت راسي.
سألتني: “زعلت؟”
قلت: “زعلت من نفسي، مش منك.”
ابتسمت وقالت: “يبقى افتكر الكلام اللي كتبته.”
قعدت جنبها، وفضلنا ساكتين شوية.
وبعدين قالت: “مصطفى، أنا عايزة أقول لك حاجة مهمة.”
قلت: “قولي.”
قالت: “أنا مش عايزاك تفهم إني لما سامحتك، يبقى كل اللي حصل مكنش مهم. لأ، اللي حصل وجعني، وأيام كتير كنت ببكي لوحدي، وأوقات كنت بحس إني مش قادرة أتحمل. بس أنا مش عايزة الوجع ده يفضل هو آخر حاجة بينا.”
بصيت لها، وقلت: “أنا فاهم.”
ابتسمت وقالت: “أنا هفضل مستنية اليوم ده.”
وفي الأيام اللي بعدها، تابعت حالتها مع الدكتور، ولما اتأكدنا إن الخروج مناسب وآمن، رتبنا زيارة قصيرة للبحر في وقت هادي.
يومها، سحر لبست فستانًا واسعًا بلون فاتح، وحطت طرحتها المفضلة، وقعدت في العربية وهي بتبص من الشباك.
لما وصلنا، ساعدتها تنزل، وقعدنا في مكان هادي بعيد عن الزحمة.
كانت الأمواج بتتحرك قدامنا، والهواء بيحرك طرف طرحتها.
فضلت ساكتة فترة طويلة، وبعدها قالت: “أنا كنت بحب البحر عشان بحس إنه واسع، وإن مهما كانت الدنيا ضيقة، فيه مساحة أكبر من اللي إحنا شايفينه.”
بصيت لها وقلت: “وإنتِ لسه عندك مساحة يا سحر.”
ابتسمت وقالت: “يمكن.”
قعدنا هناك شوية، وشربنا عصير، واتكلمنا عن حاجات بسيطة.
وقبل ما نمشي، طلبت مني أصورها.
وقفت جنب البحر، وابتسمت للكاميرا.
ولما وريتها الصورة، ضحكت وقالت: “أهو، أخيرًا عندي صورة حلوة من غير ما أكون تعبانة.”
احتفظت بالصورة عندي، وكانت من أغلى الصور اللي امتلكتها في حياتي.
في طريق الرجوع، كانت سحر هادية، وبعد شوية قالت: “مصطفى، أنا عايزة أقول لك إن اليوم ده كان حلو أوي.”
قلت: “هنكرر اليوم ده تاني لو قدرتي.”
قالت: “إن شاء الله.”
لكن حتى الأيام الجميلة كان بييجي بعدها تعب، وكنا بنتعامل مع كل يوم حسب حالتها، من غير ما نضغط عليها أو نتجاهل أي علامة تستدعي مراجعة الدكتور.
ومع مرور الوقت، بقيت أزور أمها بانتظام، وأطمن عليها، وأساعد في الحاجات اللي أقدر عليها.
وفي مرة، أم سحر قعدت معايا وقالت: “أنا مش هنسى إنك بقيت تسأل على بنتي، بس عايزاك تعرف حاجة.”
قلت: “اتفضلي يا طنط.”
قالت: “سحر كانت بتبكي كتير في الأول، وكانت كل ما أكلمها تقول لي إنها كويسة. وأنا كنت عارفة إنها مش كويسة. كانت بتخاف عليا من الحزن، وبتخاف عليك من الضغط، لحد ما بقت بتشيل كل حاجة لوحدها.”
نزلت عيني.
كملت: “أنا مش بقول لك الكلام ده عشان ألومك. أنا بقول لك عشان البني آدم لما بيتعب، مش بيحتاج دوا وبس. بيحتاج حد يصدقه لما يقول إنه خايف، وحد يسمعه لما يتكلم، وحد ميخليهوش يعتذر عن مرضه.”
قلت لها: “أنا فهمت ده متأخر أوي.”
قالت: “المهم إنك فهمته، وإنك متخليش حد تاني يمر بنفس الوجع بسببك.”
خرجت من عندها، وأنا بفكر في كل كلمة قالتها.
كنت طول الوقت بقول إن الظروف كانت صعبة، وإن المصاريف كانت كتير، وإن حياتي اتغيرت. وكل ده كان حقيقي، لكن الحقيقة برضه إني كنت أقدر أكون أحن، وأقدر أتكلم بصدق، وأقدر أطلب المساعدة بدل ما أهرب.
كان ممكن أكون زوجًا أفضل، حتى لو مكنتش قادر أوقف المرض.
ومع كل يوم كان بيعدي، كنت بحاول أثبت لنفسي إن الدرس اللي اتعلمته مش مجرد حزن مؤقت.
بقيت أخصص وقتًا لياسين، وأسمع له لما يتكلم، وأبطل أأجل كل حاجة بحجة الشغل. وبقيت لما ندى تتكلم عن احتياجاتها، أسمعها من غير ما أقارنها بسحر أو أحسسها إنها أنانية.
كنت بحاول أصلح علاقتي بكل اللي حواليا، مش عشان أعوض سحر، لكن عشان اللي حصل يغيرني للأحسن فعلًا.
وفي يوم، وأنا عند سحر، لقيتها بتكتب في كراستها.
سألتها: “بتكتبي إيه النهارده؟”
قالت: “بكتب عن البحر.”
ضحكت وقلت: “هتكتبي قصيدة؟”
ابتسمت: “لأ، بكتب إني فرحت.”
وبعدين رفعت عينيها وقالت: “تعرف يا مصطفى، أنا زمان كنت فاكرة إن السعادة معناها إن كل حاجة تبقى كاملة. جوزي جنبي، وصحتي كويسة، وبيتي مليان حياة. لكن دلوقتي بقيت أعرف إن السعادة ساعات بتكون لحظة صغيرة وسط التعب.”
قعدت جنبها وقلت: “زي يوم البحر؟”
قالت: “بالضبط.”
وبعدين سكتت شوية، وقالت: “أنا مش عارفة الأيام الجاية مخبية إيه، بس نفسي أعيشها من غير خوف طول الوقت.”
قلت لها: “هنعمل اللي نقدر عليه.”
ابتسمت وقالت: “وده كفاية.”
لكن بعد أيام قليلة، حصل شيء ما كنتش مستعد له.
كنت في البيت مع ندى وياسين، وفجأة تليفوني رن. كان رقم المستشفى.
رديت، وسمعت صوت الممرضة بتطلب مني أجي بسرعة، لأن سحر دخلت المستشفى بعد تدهور مفاجئ في حالتها.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
لبست بسرعة، وندى جت وقفت قدامي وقالت: “روح يا مصطفى، وأنا هفضل مع ياسين.”
بصيت لها بامتنان، وخرجت.
وصلت المستشفى، وجريت على الاستقبال أسأل عن سحر.
دخلوني غرفة الانتظار، وقالوا إن الفريق الطبي بيتعامل مع حالتها وإنهم هيبلغوني أول ما يكون فيه جديد.
قعدت على الكرسي، وضممت إيدي لبعض، وفضلت أدعي ربنا من قلبي.
افتكرت كل مرة قالت لي فيها إنها خايفة، وكل مرة طمنتني فيها رغم إنها كانت هي اللي محتاجة حد يطمنها.
افتكرت يوم ما طلبت الطلاق، وأنا وافقت بسرعة كأني كنت مستني اللحظة دي.
افتكرت إنها كانت بتبصلي بعينين مليانين دموع، ومع ذلك قالت لي إنها مش زعلانة.
حطيت إيدي على وشي وبدأت أعيط.
بعد وقت طويل، خرج الدكتور.



