روايات وقصص

عقد زواج بندبة قديمة ج 4 حكايات شروق خالد

قافلة العربيات السوداء قطعت الطريق بسرعة فائقة، واختفت بين ضباب الفجر لحد ما وصلت لضواحي الميناء القديم في الإسكندرية. المكان كان مهجوراً، والمستودعات الضخمة حواليهم بتبان كأطلال مرعبة في سكوت الصباح. عز الدين نزل من العربية بهدوء وبدقة محترف، ووراه عمّار ورجالته مجهزين بعدتهم، عيونهم بتراقب كل شبر حواليهم.

بإشارة من إيده، اتحرك الحرس بحذر شديد وتسللوا لحد السور الخلفي للمصنع. زي ما مريم قالت بالضبط، المدخل السري كان عبارة عن باب حديدي قديم متداري وسط حشائش ضخمة وبراميل قديمة. عمّار تقدم وبحركة سريعة ومحترفة قدر يفك قفل الباب من غير ما يطلع أي صوت.

جوه المستودع، الأجواء كانت مظلمة ورطبة، وريحة البضائع المخفية والبترول كانت مالية المكان. على بعد خطوات، كان فيه إضاءة ضعيفة طالعة من مكتب قديم جوه، وسامعين أصوات ضحكات وكلام بصوت عالي.

عز الدين دخل من غير ما يصوت، وراه رجاله انتشروا في الزوايا في ثواني معدودة. قرب من باب المكتب المفتوح جزئياً، وشاف سالم المنسي بنفسه قاعد على كرسي، حاطط رجل على رجل، وبيشرب سيجار وبيكلم اتنين من رجالته بصوت كله غرور وثقة.

سالم كان بيقول: “يعني الملثمين اتأخروا كدة ليه؟ المفروض كانوا جابوها من جوه القصر وخلصونا من وجع الدماغ ده.. بكرة عز الدين الروسي ده ما يبقاش له أي اسم.”

قبل ما سالم يكمل كلامه، باب المكتب اتفتح بعنف وانطرد لبرة على الأرض بصوت عالي هز المكان.

سالم نط من مكانه برعب، ورجالته حاولوا يرفعوا أدواتهم، بس في نفس اللحظة، كان عدد عمّار وباقي الحرس موجه لرؤوسهم بدقة مرعبة، وصوت عز الدين طلع بارد ومرعب كأنه خارج من جحيم:

“دورت عليا يا سالم؟.. أهو أنا جيت لحد عندك، ومش هسيبك تمشي من هنا غير في صندوق.”

سالم بلع ريقه بصعوبة ووشه اصفرّ تماماً، وعينيه اتسعت من الصدمة وهو شايف كبير الشبكة واقف قدامه بكل هيبة وقوة، وشارع الميناء كله بيتحول في ثواني لمواجهة حسم أخيرة.

#حكايات_شروق_خالد

قافلة العربيات السوداء رجعت بتمهد الطريق ببطء لحد ما دخلت من بوابات القصر الحديدية الكبيرة. الشمس كانت طلعت بالكامل وغطت جاردن سيتي بنورها الصباحي، بس الجو جوه القصر كان فيه هدوء من نوع تاني؛ هدوء النصر وانتهاء العاصفة.

عز الدين نزل من العربية ودخل من الباب الرئيسي بخطوات واسعة وثابتة، وكان لسه لابس جاكيته الأسود وعليه آثار خفيفة من تراب الميناء. أول ما فتح باب الجناح، لقى مريم واقفة قدام الشباك وبتفرك إيديها بتوتر شديد. أول ما سمعت صوت الباب، التفتت بسرعة وعيونها بتلمع بدموع القلق، وقربت منه بخطوات سريعة وصوتها بيترعش:

“عز الدين! رجعت.. طمني، إيه اللي حصل؟ سالم كويس.. قصدي، عملت فيه إيه؟”

عز الدين قرب منها بخطوات هادية، ووشه اللي كان صارم طول الليل فك وظهرت عليه ابتسامة دافئة لأول مرة. مد إيده مسك كفوف إيديها الباردة بين إيديه، وقال بنبرة مطمئنة:

“سالم انتهى يا مريم.. ومخازنه وبضاعته بقت في خبر كان، ورجالته اتكتفوا وتسلموا للجهات، ومحدش فيهم هيقدر يقرب من باب القصر تاني طول ما أنا عايش. الكابوس خلص للأبد.”

مريم ما استحملتش حجم الضغط اللي عانته طول الساعات اللي فاتت، فدموعها نزلت بس المرة دي دموع راحة، ورمت نفسها في حضنه وهي بتبكي بصوت مكتوم. عز الدين لف إيديه الاتنين حواليها وحضنها بقوة، كأنه بيأكد لنفسه إنها بقت في أمان، ودفن وشه في شعرها وهو بيهمس بصوت حنون: “خلاص.. ارتاحي، ما بقاش فيه خوف تاني.”

بعد دقايق، مريم رفعت راسها وبصت في عيونه بامتنان عميق، وقالت بصوت مكسور بس مليان حب: “أنا مش عارفة أقولك إيه.. أنت عرضت حياتك للخطر عشاني، وأنا كنت بالنسبة لك مجرد صفقة في الأول.”

عز الدين مسح بإبهامه دمعة على خدها، وابتسم وقال: “الصفقة دي كانت أغلى وأهم حاجة دخلت حياتي يا مريم.. من اللحظة دي، مفيش عقود ولا ورقة وقلم، فيه حياة جديدة لينا إحنا الاتنين وبس.”

في الصباح ده، أسوار القصر اللي كانت يوم عبارة عن سجن وقفص بيعزلها عن العالم، اتحولت لبيت حقيقي وحصن بيجمعهم، وفتحت صفحة جديدة تماماً بين صاحب النفوذ والست اللي عرفت إزاي تخترق قلبه قبل ما تسرق سره.

سالم حاول يرسم ابتسامة صفراء على وشه، وبلع ريقه وهو بيحاول يتماسك قدام نظرات عز الدين اللي كانت بتقدح شرار. قال بصوت متبلور ومرتجف: “أهلاً.. أهلاً بكبير القصر بنفسه. شكلك جيت بدري قوي.. بس تفتكر لوحدك هتقدر تطلع من هنا سالم؟”

عز الدين ما اتحركش خطوة زيادة، بس ابتسم ببرود مرعب، وقال: “لوحدي؟ مين قالك إن كنت لوحدي؟ وبعدين، اللي يبعت رجاله لبيتي ويهدد مراتي.. أنا باجي آخد حقي بايدي.”

قبل ما سالم يلحق يرفع إيده أو يدي إشارة لرجاله، كان عمّار وباقي الحرس هجموا عليهم زي الهوا. في ثواني معدودة، اتسحبت الأدوات من إيدين رجالة سالم واتكتفوا على الأرض بقسوة، وسالم لقى نفسه لوحده في وش عز الدين اللي قرب منه بخطوات بطيئة وثابتة.

سالم حاول يرجع لور لحد ما خبط في الحيطة، وعينيه مليانة رعب حقيقي وهو شايف عز الدين بيقرب منه. عز الدين مسكه من تلابيب قميصه بقوة، ورفعه عن الأرض لحد ما رجليه تقريباً مبقتش طايحة الأرض، وقال بصوت واطي ومسموع بالعافية:

“الندبة اللي في جسم مريم.. تمنها مش بس فلوس هربت بيها، تمنها عمرك اللي بينتهي هنا دلوقتي.”

سالم بدأ يختنق ويحاول يفك إيد عز الدين، وقال بصوت مخنوق: “استنى.. استنى يا عز الدين.. أنا.. أنا أخوها.. لو أنهيت أمري مرتك مش هتسامحك أبداً!”

عز الدين بص له نظرة أخيرة كلها احتقار، وقال بصوت حاسم: “مراتي عارفة كويس مين اللي بيحميها ومين اللي كان بيبعت الخطر لحد باب بيتها.. وعمرها ما هتزعل على واحد زيك.”

وبدفعة واحدة قوية، رماه عز الدين على الأرض بعنف، فوقع سالم فاقد النصر والقدرة على المقاومة، بينما الحرس كتفوه تماماً وربطوه بحبال غليظة.

عز الدين عدل كباسين بديلته ببرود، وبص لعمّار وقال: “بلغ الجهات بالمخزن ده وبكل بضايعه المسجلة، وخلّي سالم ده يترمي في أظلم زنزانة في المخازن السفلية لحد ما الحساب يخلص رسمي.”

بعدين لف ظهره وخرج من المستودع وركب عربيته الفخمة، وطريق الرجعة للقصر بدأ، ومعاه انتهى الكابوس اللي كان مطارد مريم سنين طويلة، لتبدأ صفحة جديدة خالص في حياتها جنب الراجل اللي حارب الدنيا عشانها.

#حكايات_شروق_خالد

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى