روايات وقصص

أبناء زينب#حكايات_شروق_خالد

قفل الموبايل وبص للسماء، وعرف إن ربنا عدل، وإن الظلم والتخلي مالهمش غير نهاية واحدة.. خسر ولاده، وخسر زينب، وخسر الدفا، وما فضلوش غير الشيك القليل في إيده وذكريات ليلة سودا اختار فيها يهرب، ودلوقتي بيهرب من خياله ونفسه اللي مش طايقها. حكايات شروق خالد.

طبق الشيك اللي في إيده وحطه في جيبه وهو حاسس إن الفلوس دي مالهاش أي قيمة ولا هتسوى ثمن اللحظة اللي اترمى فيها على الرصيف زي الغريب. حكايات شروق خالد.

قام يجر رجليه في الشوارع الهادية، وبدأ افتكار كل لحظة هرب فيها من مسؤوليته زمان. افتكر يوم ما كان بيحسب إن الفقر آخره ليلة، وإن الهروب هو النجاة، وبكت عينيه وهو شايف إن النجاة الحقيقية كانت تحت أقدام زينب اللي شالت الشقا كله وما اشتكتش.

وصل إبراهيم لمحطة الأتوبيس اللي ركب منها زمان سنة 1995.. نفس المكان ونفس الكراسي الخشب المكسورة، بس المرة دي مفيش حلم بينتظره ولا مستقبل رايح له.

قعد على الكرسي وبص للشارع، وسمع صوت ناس قاعدين جنبه بيتكلموا عن برنامج في التلفزيون:

“شفت العيال التوأم الخمسة اللي طلعوا في الأخبار؟ أمهم ربتهم على العز والكرامة وهي بتغسل هدوم وتشتغل في المطاعم.. عملوا لها أكبر دار أيتام ومستشفى مجاني باسمها!”

رد عليه التاني وهو بيهز رأسه بذهول: “الله يرحمها ويحسن إليها.. هي دي الست المصرية الاصيلة اللي تخلق رجال، أما أبوهم فده أكيد مات من زمان أو عايش في حسرته، أصل اللي يرمي لحمه ما يشوفش خير أبداً.” حكايات شروق خالد.

سمع إبراهيم الكلام والكلام كان ينزل على قلبه زي السياط.. حط رأسه بين إيديه وبكى بصوت مكتوم.

وفجأة الموبايل رن تاني، بص في الشاشة لقيها نمرة دار الأيتام اللي أعلنت عنها المؤسسة في التلفزيون، أصل كان حاطط اسمه في قائمة الانتظار لدار مسنين من كم شهر لما كبر وما بقاش قادر يشتغل.

رد بصوت مهزوز: “أيوة..”

جاله صوت الموظفة بترحيب: “أهلاً بك يا حاج إبراهيم.. بنبلغك إن طلبك للالتحاق بدار الرعاية المقبولة اتوافق عليه، والدار دي بتتحمل كل مصاريفها مؤسسة ‘زينب Carter’ الخيرية اللي فتحت جديد.. تقدر تيجي تستلم مكانك من بكرة.” حكايات شروق خالد.

غمض إبراهيم عينيه والدموع نزلت مغرقة وشّه.. أدرك إن حتى السقف اللي هيؤويه في كبره وعجزه، جاي من خير زينب وعرق ولاده اللي سماهم “لعنة”.

وقعد يبكي ويستغفر وهو عارف إن ربنا أخد حق زينب وولادها في الدنيا قدام عيون الكل، وساب له هو العمر اللي فاضل عايش على خيرهم اللي حرم نفسه منه بجهله وطمعه. حكايات شروق خالد.

دخل إبراهيم دار المسنين بشنطة هدومه القليلة، ورجليه بالعافية شايلين جسمه العجوز. أول ما عدى من الباب الكبيرة، شاف صورة ضخمة لـ “زينب” متعلّقة في صدر الصالة الرئيسية، ومرسومة بابتسامة دافية وصافية كأنها بتبص له وبتقول له: “شفت ربنا عوضني ازاي؟” حكايات شروق خالد.

الموظف أخد إبراهيم من إيده ووداه أوضته، وقعد يشرح له بامتنان: “أنت محظوظ يا حاج إبراهيم.. الدار دي قمة في كل حاجة، الأكل والرعاية والأطباء على أعلى مستوى. ده كله بفضل الأشقاء الخمسة، أصحاب المؤسسة.. بيصرفوا على الدار دي وعلى غيرها ملايين كل شهر، وموصيين إن كل مسن يدخل هنا يتعامل زي الملوك تكريماً لروح أمهم.”

إبراهيم هز رأسه بكسرة وصمت، ومش قادر ينطق ولا كلمة. قعد على طرف السرير، وبص من الشباك على الجنينة، ودموعه نازلة على خدوده بحرقة. حكايات شروق خالد.

مرت الأيام، وكان إبراهيم بيعدي كل يوم في الصالة، يقف قدام صورة زينب بدقايق، يستغفر ويدعي لها بالرحمة، ويدعي لولاده اللي حرم نفسه من عزهم وحنيتهم. كان بيشوف أساميهم في الجرايد والتلفزيون كل يوم، وبيسمع دعاء الناس ليهم ولأُمهم في كل مكان.

وفي يوم من الأيام، جه وفد من المؤسسة علشان يفتش على الدار ويتطمن على النزلاء. إبراهيم كان قاعد في الجنينة، وفجأة شاف ولاده الخمسة داخلين من الباب.. محمد ومحمود وسارة وشيماء وأحمد، بكامل هيبتهم وجمالهم.

إبراهيم اتقطع قلبه، ووقف مكان بعيد ورا شجرة، وبص عليهم بعيون مليانة شوق وندم. حكايات شروق خالد.

شاف شيماء وأحمد وهما بيسلموا على كبار السن، ويضحكوا معاهم ويطمنوا على أحوالهم. وشاف دكتورة سارة وهي بتكشف على واحدة ست كبيرة وبتبطبط عليها بحنية شبيهة بحنية زينب بالضبط.

ولما قرب محمد ومحمود من الشجرة اللي واقف وراها إبراهيم، لمحوه واقف.. لمحوا الراجل العجوز اللي انحنى ظهره وبقت عينيه مكسورة.

محمد وقف لحظة، وبص في عيون أبوه بجمود وصمت تام.. مفيش غضب، ومفيش كره، بس مفيش كمان أي مشاعر. كان يبص له كأنه شخص غريب تماماً، شخص مالوش أي وجود في حياتهم.

حرك محمد رأسه حركة خفيفة جداً، وساب الأب ومشى هو وأخوه يكملوا جولتهم. حكايات شروق خالد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى