منوعات

تورتة ج1 حكايات شروق خالد

على الترابيزة قدامها، كانت إزازة السم الصغيره محطوطة جنب برطمان كريمة اللوز.

كريم أخوها كان مربوط في الكرسي في الزاوية، وشه كله كدمات ودم، وعينيه مليانة دموع ورعب وهو بيبص لها وبيقول بصوت مخنوق: “سامحيني يا مريم.. والله العظيم كنت فاكر إنها آخر مرة ألعب فيها وأكسب وأسدد كل ديوننا.. سامحيني بس ما تخليهومش يموتوني!”

مريم ما ردتش عليه. كانت بتبص له بوجع ملوش حدود. أخوها الوحيد اللي كبرته بعد موت أبوهما وأمهم، اللي ضحت بعمرها عشان تحميه، بيحطها بين نارين: يا تبقى قاتلة، يا تشوفه بيتقتل قدام عينها.

ساعة الفجرية، التورتة كانت جاهزة.

طبقات الكيك الهشة، حشوة اللوز الغنية، وعلى الوش الكريمة اللماعة اللي ريحتها تقلب الدماغ.

مريم مسكت إزازة السم، صوابعها كانت بتترعش لدرجة إن الإزازة كادت تقع منها. فتحت الغطا، ونزلت نقط السائل الشفاف جوة الكريمة وقلّبتها بالراحة زي ما فاروق قالها بالظبط.

الساعة 7 بالليل..

مريم كانت واقفة عند البوابة الخلفية لقصر “جلال السيوفي”.

القصر كان مليان حراسة، ورجالة ببدل سودا وسلاح في كل مكان. الحفلة جوة كانت شغالة، صوت المزيكا ورنات الكاسات واصلين لبره.

السكرتير بتاع جلال استلم منها التورتة وادالها التصريح تدخل المطبخ عشان تحط الوش الأخير وتظبط طريقة التقديم بنفسها زي ما متعودة كل سنة.

في مطبخ القصر، مريم كانت واقفة لوحدها قدام التورتة.

السكينة في إيدها، والصينية محطوطة على عربية التقديم الذهب.

فجأة.. دخل جلال السيوفي بنفسه المطبخ.

كان راجل في أواخر التلاتينات، هيئته وقورة جداً، وشه فيه طيبة غريبة مش لايقة على واحد ماسك أكبر عيلة مافيا في البلد. عينيه كانت دافية وهو بيبص لمريم وبيرحب بيها:

“أهلاً يا آنسة مريم.. أنا كل سنة بستنى اليوم ده بالذات عشان أكل من التورتة بتاعتك. محدش في مصر كلها بيعرف يظبط كريمة اللوز دي غيرك.”

مريم بصت له.. الركبتين بتوعها كانوا بيخبطوا في بعض.

افتكرت وشه، افتكرت كلام فاروق، وافتكرت أخوها المربوط والمسدس الموجه لقفته.

جلال قرب مسك المعلقة الصغيرة، وكان لسه هيمد إيده يذوق الكريمة قبل ما التورتة تطلع للضيوف بره…

في اللحظة دي.. مريم ما استحملتش.

صرخت بعلو صوتها وهي بتضرب إيد جلال: “لاااا! بلاش تأكل منها!”

الصينية وقعت على الأرض، والتورتة اتعجنت في البلاط، والكريمة المسمومة اتفرشت في كل مكان.

الحراس دخلوا المطبخ بلمح البصر، السلاح ارفع على مريم من كل اتجاه.

مريم وقعت على ركبتها، كانت بتبكي بهستيريا، جسمها كله بيتفض من الرعب والذنب.

رفعت وشها لجلال وقالت بدموع ونفس مقطوع:

“أنا آسفة.. أنا آسفة جداً يا جلال بيه! فاروق الباشا مسك أخوي كريم وخطفه، وحط المسدس في رأسه وقال لي يا إما أسممك في عيد ميلادك.. يا إما هيموت أخويا ويولع في المخبز! أنا ما قدرتش أقتلك.. والله ما قدرت أكون قاتلة، موتني أنا بس أبوس إيدك سيب أخويا ينفد بجلده!”

المطبخ ساد فيه هدوء مرعب.

مريم كانت مستنية رصاصة تدخل في رأسها في أي ثانية..

بس اللي حصل بعد كده خلى قلبها يقف من الذهول.

جلال السيوفي ما اتفاجئش.

ما غضبش، ولا حتى وشه اتغير!

بالعكس.. مسح بناديله الحرير إيده بهدوء شديد، وبص للحراس وقال بنبرة باردة: “نزلوا السلاح.”

وبعدين قرب من مريم، ووطى على ركبتيه قدامها، وبص في عينيها بنظرة غريبة جداً.. نظرة واحد كان مستني اللحظة دي بقاله شهور!

جلال ابتسم ابتسامة خفيفة وقالها بصوت هادي:

“أنا عارف كل كلمة قلتيها يا مريم.. عارف فاروق قالك إيه، وعارف إزازة السم دي فيها إيه، وعارف إن أخوكي كريم محبوس في مخزن المخبز بتاعك بقاله 24 ساعة.”

مريم فتحت بقها بذهول مش قادرة تستوعب: “أنت.. أنت عارف؟!”

جلال اتعدل في وقفته وقال بثقة:

“فاروق بيحاول يوصل لي بقاله سنتين، وأنا كنت زرع له عيون جوة شبكته. من أول يوم خطط فيه يخطف أخوكي ويمشيكي في السكة دي، وأنا متابع كل خطوة. كنت مستني أشوف هتعملي إيه.. هل هترضي تبقي قاتلة عشان تنقذي أخوكي الفاشل، ولا ضميرك هيغلبك.”

سكت لحظة، وبعدين سألها السؤال اللي غيّر كل حاجة في حياتها:

“سؤالي ليكي دلوقتي يا مريم.. إنتي اخترتي تحميني وتضحي بنفسك وبأخوكي اللي ورطك.. يا ترى تفتكري أخوكي كان ممكن يعمل نفس التضحية دي عشانك؟ ولا يستاهل إنك تخسري نفسك علشانه؟”

مريم سكتت.. الدموع اتجمدت في عينيها. السؤال نزل عليها زي الصاعقة، لأنها من جواها كانت عارفة الإجابة.. كريم طول عمره أناني، وكان مستعد يبيع أي حاجة عشان ينفد بجلده.

جلال شاورت للرجالة بتوعه وقال بصوت قاطع:

“رجالي دلوقتي بيقتحموا مخزن فاروق الباشا.. فاروق وجميع رجالته هينتهوا الليلة دي تماماً. وأخوكي كريم هيكون حر.. بس بشرط واحد.”

مريم رفعت رأسها بلهفة: “شرط إيه؟”

جلال بص لها بمنتهى الرفق وقال:

“أخوكي هتاخديه وتديه فلوس وسفرية لبرة مصر، وتطلعي من حياته تماماً. إنتي أديتي واجبك وزيادة كأخت.. ودلوقتي جه الوقت اللي تعيشي فيه لنفسك. القصر ده، والمخبز الجديد اللي هبنيهولك أكبر مية مرة من المخبز القديم، وأنا شخصياً.. محتاجين واحدة بضميرك وشجاعتك تكون جنبي.”

في الليلة دي.. فاروق الباشا اتقبض عليه وانتهت إمبراطوريته، وكريم أخد فلوسه وسافر برة مصر وهو مش مصدق إنه عاش، ومريم وقفت لأول مرة في حياتها تبص للمستقبل بقلب قوي، بعد ما اكتشفت إن الخيانة اللي كانت مفروض تهد حياتها.. كانت هي الباب اللي فتح لها حياة جديدة تماماً مع راجل قدر قيمتها وحماها من العالم كله.

#حكايات_شروق_خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى