منوعات

دفتر الأب#حكايات_شروق_خالد

في يوم عيد الأب، دخل ابني المليونير إلى شقتي الباردة في وسط البلد بالقاهرة، ولاحظ طبق الشوربة البسيط على الطاولة، وسألني: “يا بابا، هي أمورك ماشية كويس بالـ 30 ألف جنيه اللي بتبعتهم لك رانيا كل شهر؟” نظرت إليه بهدوء وقلت: “يا بني، مفيش حد بيعتلي حاجة أصلاً. أنا عايش بستر ربنا ومساعدة الجمعية الخيرية اللي في الحتة.” تجمد طارق في مكانه، وبعدها بشوية اتفتح باب الشقة ودخلت رانيا.

اسمي رأفت عبد التواب. عندي اثنين وسبعين سنة، وقبل ما أطلع على المعاش، قضيت أربعين سنة شغال مراجع حسابات في كبرى الشركات، وكانت الأرقام هي أساس كل خطوة في حياتي.

قضيت مشوار مهنتي في تتبع الفلوس الضايعة، والتحويلات المشبوهة، والحسابات اللي كانت بتعاند عشان تتوازن. ومع الوقت، اتعلمت أن السجلات المالية غالباً بتكشف الحقيقة بصدق أكتر من البشر نفسهم، بس ماكنتش أتخيل أبداً إن أكتر أرقام مقلقة هتحقق فيها في حياتي هتكون تخص عيلتي أنا شخصياً.

من عشر سنين، توفيت مراتي، سعاد، بعد مرض طويل استنزف معظم مدخراتنا. اضطريت في الآخر أبيع الشقة اللي جمعتنا، وسددت الديون اللي عليا، واستخدمت الباقي عشان أساعد ابني طارق يخلص جامعته ويقف على رجله وما يخليش شركته الصغيرة تنهار.

طارق استغل الفرصة دي وحولها لنجاح كبير وثروة بالملايين، وكنت فخور بيه لدرجة ما تتعوضش. ومن كتر فخري ده، كنت مصمم إني ما أبقاش عبء عليه ولا أشيل همه في يوم من الأيام.

القرار ده خلص بيا المطاف إني عشت تلات سنين في شقة بوسط البلد دفاويتها قديمة وبردها قارس، وكنت مرتين في الأسبوع بمشي لحد جمعية خيرية قريبة عشان أخد شوية معلبات، وعيش، ومساعدات تخليني أعدي الأيام.

وكل ما طارق كان بيكلمني، كان يفكرني إنه عمل صندوق استثماري عائلي عشان يضمنلي حياة كريمة.

“رانيا هي اللي بتدير الحساب، ما تقلقش من أي حاجة يا بابا.”

كنت فاكر إن الفلوس دي متشالة لحالات الطوارئ، فمحدش جه في بالي أسأله ولا أطلب أشوف الحساب. لحد ما جه عيد الأب، ودخل طارق فجأة شقتي وهو لابس بالطو غالي، ووقف يبص بذهول على الحيطان المقشرة، والدفاية القديمة، وطبق الشوربة البسيط.

“يا بابا، أمال فين دار المسنين؟”

“دار مسنين إيه؟”

ملامح وشة اتغيرت في ثانية.

“رانيا قالت لي إنها نقلتك دار محترمة في الزمالك من كذا شهر.”

“أنا قاعد هنا بقالي تلات سنين.”

حدق طارق فيا كأنه مش مصدق، وبعدها سألني سؤال نزل عليا زي الصاعقة:

“يا بابا، هو أنت مش عاجبك الـ 30 ألف جنيه اللي رانيا بتبعتهم لك كل شهر؟”

لكذا ثانية، كان الصوت الوحيد في الشقة هو صوت الهوا اللي بيخبط بره.

“يا طارق، أنا ما قبضتش جنيه واحد من أي حد طول عمري. الجمعية الخيرية هي اللي سادة معايا.”

وش طارق اتبدل للون الأصفر من الخضة، ومد إيده بسرعة على تليفونه عشان يتصل. وقبل ما يلحق يرن، باب الشقة اتفتح ودخلت رانيا وهي لابسة بالطو شتوي أنيق.

بصت لطارق وبعدين ليا، ولمحت نظرة قلق سريعة لمعت في عيونها قبل ما تتمالك نفسها.

“أه يا طارق… أنا ما كنتش أحب تعرف بالطريقة دي.”

“أعرف إيه؟”

#حكايات_شروق_خالدبصت رانيا لطارق بملامح هادئة حاولت تصطنع فيها البراءة، وقالت بصوت مهتز: “يا طارق، أنت عارف الشغل وضغوطه، والفلوس اللي بتتحول كل شهر لحساب بابا… أنا كنت متخيلة إنه بيصرف منها على راحته أو بيحوشها لنفسه، ماكنتش أعرف إنه سايب نفسه عايش بالشكل ده!”

طرق الحائط بجانبه بقوة، وصوت طارق كان بيترتج من شدة الغضب: “بيحوشها لنفسه؟! أنتِ بتقولي إيه يا رانيا؟! أنا بعمل حوالي نصف مليون جنيه أرباح في السنة، وكنت مخصص ثلاثين ألف جنيه كل شهر من حساب الشركة عشان أبونا يرتاح في آخر أيامه! ثلاثين ألف جنيه في الشهر لمدة سنين، وفي الآخر ألاقيه بياكل من جمعية خيرية وعايش في شقة تالفة؟!”

فتحت رانيا عينيها بمبالغة وقالت وهي بتمثل الصدمة: “يعني إيه يا طارق؟ تقصد إيه بكلامك ده؟ كأنك بتتهمني بحاجة! أنا كنت باخد الفلوس وأحولها للحساب المخصص… يمكن فيه مشكلة في البنك، أو حد تاني…!”

قاطعها صوتي وأنا قاعد على الكرسي المهترئ، وقلت بهدوء شديد: “يا رانيا… طولي بالك. طول عمري بشتغل مراجع حسابات، وخليني أقولك إن الأرقام عمرها ما بتكدب، وخصوصاً لما تكون مسجلات بنكية وحسابات مترتبة.”

اتبلعت رانيا ريقها بصعوبة، وبانت علامات التوتر على وشها وهي بتقول بصوت مرتبك: “قصدك ايه يا بابا؟ أنت بتقول إيه؟”

وقفت ببطء وسحبت ورق كنت كاتبه ومسجله بخط إيدي على ترابيزة المطبخ، وبصيت ليها بعينين خبير ما بيغبش عنه تفصيلة، وقلت: “من شهرين، لما حسيت إن طارق بيكلمني عن فلوس ومصاريف أنا ما شفتش منها مليم، بدأت أجمع الخيوط. كلمت زميل قديم ليا في البنك الأهلي، وطلعت كشف حساب بالرقم الضريبي واسم المستفيد للحساب اللي طارق كان بيحوله.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى