
طول الليل، المطر كان بيخبط بعنف في شبابيك البنتهاوس اللي فوق برج المنشاوي في الزمالك، والرعد كان بيهز المكان كله. ولما الصبح طلع، كانت السما رمادي وكأنها هي كمان قضت الليل من غير ما تنام.
باب الأوضة اتفتح، ويوسف دخل وهو شايل كوبين قهوة.
كان لابس قميص أسود، وأكمامه مرفوعة لحد دراعه، ووشه كالعادة هادي بشكل يخوف. الهدوء اللي يخلي أي حد قدامه يحسب ألف حساب قبل ما ينطق كلمة.
لكن أول ما عينه وقعت عليا…
إيده اتجمدت.
وحط كوب القهوة على الترابيزة بعنف لدرجة إن شوية منها اتكبوا.
“نور…”
صوته خرج لأول مرة من غير برود.
“إنتِ كويسة؟”
كنت قاعدة على السرير، ضامة ركبتي لصدرى، وحاسة إن وشي كله مولع من الإحراج.
بصيتله وقلت بصوت مكسور:
“مش عارفة أقولك إيه.”
يوسف قرب ناحيتي بسرعة، لكنه وقف فجأة على بُعد كام خطوة.
الغريب إن الراجل اللي كل القاهرة بتخاف منه، وقف قدامي كأنه خايف يقرب.
يوسف المنشاوي كان عنده تسعة وتلاتين سنة، ورغم إن الناس كانت بتعرفه كرجل أعمال كبير وصاحب شركات ومشاريع بالملايين، إلا إن اللي بيحصل ورا الستار كان أخطر بكتير.
رجالة كتير كانت بتهمس عن شحنات اختفت فجأة، وشركات اتقفلت من غير سبب، ورجالة أعمال صحوا الصبح لقوا إمبراطورياتهم انتهت، وأعداء يوسف اللي قرروا يختبروا صبره… اختفوا من المشهد للأبد.
كان راجل محدش بيجرؤ يعاندُه.
لكن دلوقتي؟
كان واقف قدامي وعينيه مليانة خوف.
“اتكلمي معايا يا نور.”
هزيت راسي بسرعة.
“أرجوك… ما تبصليش كده.”
قطب حواجبه.
“أبصلك إزاي؟”
بلعت ريقي وقلت:
“كأنك شايفني ضعيفة.”
سكت.
“كأنك ندمان.”
ملامحه اتغيرت.
وفجأة، كأن الليلة كلها عدت قدام عينيه.
افتكر كل كلمة قالها، وكل مرة ضحكت فيها من التوتر، وكل مرة كنت بتبعد عيني لما كان يقرب مني، والضحكة اللي طلعت مني لما قاللي بهزار إن الليلة دي هتخليني ما أنساش القاهرة طول عمري.
لكن صوته لما اتكلم المرة دي كان مختلف.
“نور…”
سكت لحظة، وبعدين سأل:
“الليلة اللي فاتت… كانت أول مرة ليكي؟”
قلبي اتقبض.
قفلت عيني، وقلت بهدوء:
“أيوه.”
الصمت اللي نزل بينا كان تقيل لدرجة إني حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.
يوسف قعد على طرف السرير، لكنه ساب بينا مسافة كبيرة.
لأول مرة أشوفه مش عارف يقول إيه.
راجل بيقدر يدخل اجتماع فيه عشرين واحد ويطلع منه كاسب من غير ما يتوتر، دلوقتي مش عارف يتكلم معايا.
قال أخيرًا:
“ليه ما قولتيليش؟”
ضحكت ضحكة صغيرة مليانة مرارة.
“علشان كنت هتتغير.”
بصلي باستغراب.
“يعني إيه هتغير؟”
مسحت دموعي بسرعة وقلت:
“كنت هتتعامل معايا بطريقة تانية.”
“إزاي؟”
“كنت هتفضل طول الوقت خايف عليا… حريص زيادة عن اللزوم… وهتتعامل معايا كأني مسؤولية عليك.”
سكت لحظة وبعدين كملت:
“وأنا ما كنتش عايزة كده.”
يوسف شد فكه.
“أنا عمري ما كنت هاشفق عليكي.”
ضحكت وسط دموعي.
“يمكن مش عن قصد.”
بصيتله وأنا بحاول أتماسك.
“بس كنت هتعرف إن اللي حصل بالنسبالي كان أكبر من اللي حصل بالنسبالك.”
سكت.
“وأنا ما كنتش عايزة كل لحظة بينا تبقى تقيلة بسبب إنك عرفت.”
يوسف أنزل عينيه للأرض.
لأول مرة فهمت إن الراجل ده، اللي قضى عمره كله بيهرب من أي إحساس، ممكن يكون هو نفسه مش عارف يعمل إيه مع إحساس واحد بسيط.
كان طول عمره عايش بقانون واحد:
ما تتعلقش بحد.
ما تثقش في حد.
ما تسمحش لحد يدخل قلبك.
لأن أول ما تحب حد… هتبقى عندك نقطة ضعف.
لكن وهو قاعد جنبي دلوقتي، كان واضح إن كل القوانين اللي عاش بيها سنين بدأت تنقلب عليه.
وفجأة…
موبايله بدأ يرن فوق الكومودينو.
ولا واحد فينا اتحرك.
الرنة انتهت.
وبعد ثواني…
رن تاني.
يوسف مد إيده للموبايل، وبص للشاشة.
وفي اللحظة دي، كل الهدوء اللي كان في عينيه اختفى.
وشه اتحول لوش الراجل اللي كل الناس بتخاف منه.
الاسم اللي ظهر على الشاشة كان:
“رانيا فوزي.”
محاميته وأكتر شخص بيثق فيه.
رانيا عمرها ما كانت بتكلمه قبل الساعة سبعة الصبح.
ولو عملت كده…
يبقى فيه مصيبة.
يوسف رد على المكالمة.
“اتكلمي.”
جاله صوت رانيا من الناحية التانية، متوتر بشكل واضح:
“يوسف… عندنا مشكلة كبيرة.”
يوسف وقف من مكانه.
“إيه اللي حصل؟”
سكتت رانيا ثواني، وبعدين قالت:
“المخزن اللي في الميناء اتضرب.”
عين يوسف ضاقت.
“مين؟”
“مش عارفين.”
“الرجالة؟”
“اتنين ماتوا… وتلاتة اختفوا.”
يوسف قبض على الموبايل بقوة.
“والبضاعة؟”
الصمت اللي جه بعدها كان كفاية يخليه يفهم إن الموضوع أخطر مما توقع.
قالت رانيا:
“البضاعة اختفت.”
يوسف فضل ساكت.
وبعدين سأل بصوت بارد:
“حد شاف حاجة؟”
رانيا أخذت نفسًا عميقًا.
“أيوه.”
“مين؟”
“واحد من الرجالة قبل ما يموت قال اسم.”
يوسف اتجمد.
“اسم مين؟”
رانيا قالت الاسم.
وفي اللحظة دي، يوسف بص ناحيتي.
لأن الاسم اللي سمعه…
كان اسمي أنا.يوسف أول ما سمع اسمي، وشه اتغير تمامًا.
“قولتي إيه؟”
رانيا ردت بصوت متردد:
“نور.”
إيده شدت على الموبايل.
“نور مين؟”
“نور اللي معاك دلوقتي.”
أنا كنت لسه قاعدة على السرير، لكن أول ما سمعت اسمي، جسمي كله اتنفض.
بصيت له.
“إنتِ بتتكلمي عني؟”
رانيا سكتت ثانيتين، وبعدين قالت:
“أيوه.”
يوسف بعد الموبايل عن ودنه وبصلي.
النظرة دي خوفتني.
“إنتِ تعرفي حاجة عن مخزن الميناء؟”
هزيت راسي بسرعة.
“لا طبعًا!”
“كنتِ فين إمبارح قبل ما تيجي هنا؟”
استغربت السؤال.
“في البيت.”
“مين كان معاكي؟”
“ماما.”
يوسف رجع للموبايل.
“رانيا، ابعتيلي كل حاجة عندك. حالًا.”
“يوسف…”
“قلت حالًا.”
قفل المكالمة، وحط الموبايل في جيبه.
بصيتله وأنا بحاول أفهم.



