
الصمت اللي جه بعدها كان كفاية يخليه يفهم إن الموضوع أخطر مما توقع.
قالت رانيا:
“البضاعة اختفت.”
يوسف فضل ساكت.
وبعدين سأل بصوت بارد:
“حد شاف حاجة؟”
رانيا أخذت نفسًا عميقًا.
“أيوه.”
“مين؟”
“واحد من الرجالة قبل ما يموت قال اسم.”
يوسف اتجمد.
“اسم مين؟”
رانيا قالت الاسم.
وفي اللحظة دي، يوسف بص ناحيتي.
لأن الاسم اللي سمعه…
كان اسمي أنا.يوسف أول ما سمع اسمي، وشه اتغير تمامًا.
“قولتي إيه؟”
رانيا ردت بصوت متردد:
“نور.”
إيده شدت على الموبايل.
“نور مين؟”
“نور اللي معاك دلوقتي.”
أنا كنت لسه قاعدة على السرير، لكن أول ما سمعت اسمي، جسمي كله اتنفض.
بصيت له.
“إنتِ بتتكلمي عني؟”
رانيا سكتت ثانيتين، وبعدين قالت:
“أيوه.”
يوسف بعد الموبايل عن ودنه وبصلي.
النظرة دي خوفتني.
“إنتِ تعرفي حاجة عن مخزن الميناء؟”
هزيت راسي بسرعة.
“لا طبعًا!”
“كنتِ فين إمبارح قبل ما تيجي هنا؟”
استغربت السؤال.
“في البيت.”
“مين كان معاكي؟”
“ماما.”
يوسف رجع للموبايل.
“رانيا، ابعتيلي كل حاجة عندك. حالًا.”
“يوسف…”
“قلت حالًا.”
قفل المكالمة، وحط الموبايل في جيبه.
بصيتله وأنا بحاول أفهم.
“إنت شاكك فيا؟”
ما ردش.
“يوسف!”
رفع عينه ليا.
“أنا مش عايز أشك فيكي.”
“بس إنت شاكك.”
قرب خطوة.
“أنا شغلي خلاني أشك في كل الناس.”
“وأنا واحدة من الناس دي؟”
سكت.
الكلمة وجعته أكتر مما توقعت.
قمت من السرير بسرعة، لكن أول ما رجلي لمست الأرض، الألم خلاني أرجع أقعد.
يوسف اتحرك ناحيتي فورًا.
“استني.”
مد إيده يساعدني، لكني بعدتها.
“ما تلمسنيش.”
وقف مكانه.
ولأول مرة، شفت في عينيه وجع حقيقي.
“نور، أنا مش عدوك.”
“أنا مش عارفة إنت مين أصلًا.”
قرب أكتر، وصوته بقى هادي.
“أنا الراجل اللي قضى الليل كله فاكر إن أكبر مشكلة في حياته هي إنه وقع فيكي.”
بصيتله من بين دموعي.
“وطلع فيه مشكلة أكبر؟”
هز راسه.
“أيوه.”
وقبل ما أسأله، موبايله رن تاني.
فتح الرسالة.
كانت صورة.
صورة ليا.
متصورة من بعيد وأنا خارجة من بيتنا قبل يومين.
وتحتها رسالة قصيرة:
“البنت دي مش بريئة زي ما فاكر.”
يوسف فضل باصص للصورة ثواني.
وبعدين سألني:
“نور… مين كان مستنيكي تحت البيت يوم الخميس؟”
قلبي وقع.
لأني افتكرت.
“كان فيه راجل.”
يوسف رفع عينه بسرعة.
“راجل مين؟”
“معرفش.”
“شكله؟”
حاولت أفتكر.
“كان لابس جاكت أسود… وعنده جرح فوق حاجبه.”
يوسف اتجمد.
“جرح فوق حاجبه؟”
هزيت راسي.
“أيوه.”
ابتعد خطوتين، وكأنه فجأة فهم حاجة خطيرة.
“إيه؟”
بصلي وقال:
“ده مش مجرد واحد كان مستنيكي.”
“أمال مين؟”
صوته خرج بارد:
“ده واحد من أخطر رجالي.”
سكت لحظة.
“والراجل ده اختفى من امبارح بالليل.”
حسيت ببرودة في جسمي.
“يعني إيه؟”
يوسف قرب مني وقال:
“يعني حد كان بيراقبك من قبل ما تعرفيني.”
وقبل ما أقدر أستوعب كلامه، سمعنا صوت خبط شديد على باب الشقة.
يوسف اتغير في لحظة.
مد إيده ناحية درج الكومودينو، وطلع سلاحه.
وبصلي بحدة:
“ادخلي الحمام واقفلي على نفسك.”
“يوسف، في إيه؟”
“نور…”
صوته كان أمر.
“لو بتحبيني تعيشي، اعملي اللي بقولك عليه.”
اتجمدت مكاني.
لأول مرة من بداية الليلة، فهمت إن الموضوع مش مجرد شك.
حد كان جاي عشاني.
والشخص اللي برا الباب…
كان عارف إني هنا.
حكايات شروق خالد
الخبط على الباب اتكرر، المرة دي أعنف.
“دوم… دوم… دوم!”
أنا اتخضيت وقمت من مكاني رغم الألم، ويوسف رفع إيده ناحيتي يمنعني أتحرك.
“مكانك.”
همست:
“مين اللي برا؟”
ما ردش.
قرب من الباب بخطوات هادية، وكل خطوة منه كانت بتخليني أحبس نفسي.
وقف جنب الباب، ومد إيده ناحية المقبض، لكنه ما فتحش.
وفجأة سمعنا صوت راجل من الناحية التانية:
“يوسف المنشاوي… افتح.”
يوسف عينيه ضاقت.
واضح إنه عرف الصوت.
“إنت مين؟”
ضحكة قصيرة طلعت من الراجل.
“واضح إنك نسيتني.”
يوسف بص ناحيتي للحظة.
وبعدين قال:
“نور، ادخلي الحمام.”
“بس…”
“دلوقتي!”
جريت ناحية الحمام وقفلت الباب ورايا، لكن بدل ما أفضل مستخبية، وقفت عند الباب وسمعت.
صوت المفتاح اتحرك.
يوسف كان فاتح الباب.
وبعد ثواني سمعت صوت ارتطام قوي.
وبعدين صوت يوسف:
“كنت عارف إنك هتظهر.”
رد الراجل:
“وأنا كنت عارف إنك هتخبيها.”
اتجمدت.
“مين هي؟”
صمت.
وبعدين الراجل قال:
“البنت اللي أبوها خانك.”
قلبي وقف.
أبويا؟
إيه علاقة أبويا بيوسف؟
فتحت الباب سنتيمتر واحد وبصيت من الفتحة.
كان فيه راجل طويل واقف قدام يوسف، وعلى حاجبه جرح قديم.
نفس الراجل اللي شوفته تحت البيت.
يوسف كان واقف قدامه والسلاح في إيده.
قال يوسف:
“كمال… إنت عارف إن دخولك هنا كان أغبى قرار خدته في حياتك.”
كمال ابتسم.
“وأنت عارف إن البنت دي مش مجرد بنت.”
بص ناحيتي فجأة.
اتراجعت بسرعة وقفلت الباب.
لكن كان فات الأوان.
سمعت خطوات يوسف بتقرب.
فتح باب الحمام بعنف.
“نور!”
كنت واقفة في الركن، ودموعي نازلة.
“إنت كنت تعرف أبويا؟”
يوسف سكت.
وده كان أسوأ رد ممكن أسمعه.
قربت منه.
“رد عليا!”
قال بصوت واطي:
“أبوكي كان شريكي.”
شهقت.
“شريكك في إيه؟”
“في كل حاجة.”
“يعني إيه كل حاجة؟”
يوسف بص في عيني.
“أبوكي هو اللي بنى الإمبراطورية اللي أنا ماسكها دلوقتي.”
حسيت الأرض بتتحرك من تحتي.
“بس بابا كان موظف بسيط!”
يوسف هز راسه.
“ده اللي كان عايز الناس كلها تصدقه.”
دموعي نزلت أكتر.
“طب مات ليه؟”
يوسف سكت.
قلت وأنا بصرخ:
“بابا مات ليه يا يوسف؟!”
صوته خرج أخيرًا:
“لأنه حاول يهرب.”
“من مين؟”
قبل ما يرد، سمعنا صوت طلقة من الصالة.
يوسف لف بسرعة.
“كمال!”
جرى ناحية الباب.
وأنا جريت وراه من غير ما أفكر.
لكن لما وصلنا الصالة…
كمال كان اختفى.
والباب الرئيسي كان مفتوح.
وعلى الأرض كانت فيه ورقة صغيرة.
يوسف انحنى وأخذها.
قرأها.
ملامحه اتجمدت.
مديت إيدي:
“إيه المكتوب؟”
ما ردش.
خطف الورقة منه.
وكان مكتوب عليها بخط واضح:
“اسأل نور عن اللي حصل ليلة موت أبوها… لأنها كانت موجودة.”
بصيت ليوسف وأنا مش فاهمة.
“أنا؟”
يوسف فضل ساكت.
“أنا كنت طفلة!”
رفع عينيه ليا.
وقال الجملة اللي هدمت آخر حاجة كنت مصدقاها عن حياتي:
“أنتِ مش فاكرة الليلة دي يا نور.”
“ليه؟”
قرب مني، وصوته كان مليان خوف لأول مرة:
تسع مرات في ليلة واحدة… كانت الجملة هتبان مجرد هزار مجنون لما يوسف المنشاوي همس بيها لي تحت سما القاهرة، وأنا واقفة قدامه مش مصدقة إنه بيتكلم بجد.
لكن مع أول خيط نور للصبح، كنت قاعدة في نص سريره، ضامة الملاية على جسمي، وإيدي ماسكة طرفها اللي عليه بقعة دم، بينما أخطر راجل في القاهرة كان واقف قدامي وبيبصلي كأنه لسه اكتشف إنه ارتكب أكبر غلطة في حياته.




