روايات وقصص

طردتني حماتي من بيتي حكايات شروق خالد

الساعة 8 مساءً امبارح، حماتي رمت عليّا شاي مغلي، ورمت شنطي في التراب، وقالتلي بسخرية:

— اطلعي برّه بيت ابني!

الساعة 7 الصبح النهارده، فتحت الباب لقتني واقفة قدامها، ومعايا اتنين ظباط، وبتاع أقفال، والمحامية بتاعتي.

ولما المحامية سلّمتها عقد ملكية البيت، وكان اسمي مكتوب عليه، اللون اختفى تمامًا من وشها.

عينيها اتسعت، وظهر عليها رعب صامت وهي بتترعش، لأنها فجأة فهمت الكابوس اللي هي بنفسها حبست نفسها جواه.

— قولي لهم إن البيت ده بتاعك! صرخت سعاد وهي بتشاور على أحمد. — قولي لهم إن ليلى بتتعرض لانهيار عصبي!

ما قلتش حاجة.

بصيت بس لجوزي.

أحمد كان عارف الحقيقة طول الوقت. كان عارف إن اسمي موجود في عقد ملكية البيت. وكان عارف إني أنا اللي بدفع أقساط البيت والضرائب ومعظم تكاليف التجديد.

وحتى إنه كان موقّع على أوراق إعادة التمويل باعتباره زوجًا غير مقترض.

ومع ذلك، دلوقتي كان واقف وباصص في أرضية الشرفة.

همست:

— بالظبط زي ما توقعت.

بلع أحمد ريقه وقال:

— أنا بس… ما كنتش فاكر إن التفاصيل دي مهمة. كنت فاكر إن لو أمي فضلت فاكرة إني أنا اللي مسؤول عن الأمور المادية، هتحترم حدود البيت.

اتجمدت مكاني.

يعني هو ما سمحش لأمه تصدق كذبة بالصدفة.

هو كان متعمد يخليها مصدقاها.

المحامية بتاعتي، داليا منصور، تقدمت وحطت ملف سميك من المستندات على الترابيزة.

وقالت بهدوء:

— أستاذ أحمد، أنت تم إخطارك رسميًا بفرض قيود مؤقتة على إقامتك في العقار. يُسمح لك بجمع متعلقاتك الأساسية تحت إشراف الشرطة. وبمجرد مغادرتك العقار، لا يُسمح لك بالعودة من غير تصريح.

أحمد رفع راسه فجأة.

— استني… إنتِ كمان بتطرديني؟

بصيت له في عينيه وقلت:

— لأ يا أحمد. أنا بس بطرد الناس اللي خلّوا بيتي مكان مش آمن بالنسبالي.

داليا هزت راسها ناحية بتاع الأقفال.

وبدأ صوت المثقاب.

ببطء وثبات، القفل القديم اتشال واتركب مكانه قفل جديد.

ولأول مرة من شهور، حسيت إني أخيرًا باسترد بيتي.

لكن في اللحظة اللي أحمد لف فيها ناحية عربيته عشان يجيب شنطة أوراقه، وقع من إيده ملف بني سميك.

الأوراق اتناثرت على الأرض.

انحنيت ولمّيت ورقة.

اسمي.

بياناتي الشخصية.

ومبلغ مالي ضخم أنا ما سمحتش لأي حد يستخدمه.

رفعت عيني وبصيت لأحمد.

المرة دي، ما كانش عنده جملة «أنا هتصرف» جاهزة.

لأن فجأة… هو اللي بقى محتاج يفسّر.

أحمد فضل واقف مكانه، وشه اتغير تمامًا.

بص للورقة اللي في إيدي، وبعدها بص للمحامية داليا، وبعدين رجع بصلي.

قلت بهدوء:

— إيه ده يا أحمد؟

ما ردش.

قربت الورقة منه.

— أنا بسألك… إيه ده؟

مد إيده ياخدها، لكن داليا سبقته وسحبت الورقة من إيدي.

بصت فيها ثواني، وبعدها قالت:

— دي مش مجرد ورقة.

فتحت الملف بسرعة، وبدأت تقلب في المستندات.

كل ورقة كانت أسوأ من اللي قبلها.

حسابات بنكية.

طلبات قروض.

توقيعات.

تحويلات مالية.

وأسماء شركات عمري ما سمعت عنها.

داليا رفعت عينيها لأحمد.

— إنت استخدمت بيانات مراتك في معاملات مالية؟

أحمد اتوتر.

— الموضوع مش زي ما باين.

ضحكت بسخرية.

— طبعًا. دايمًا الموضوع مش زي ما باين.

سعاد، اللي كانت واقفة عند باب البيت، قربت بخطوات مترددة.

— أحمد… إيه اللي بتقوليه ده؟

بص لها.

ولأول مرة، ما ردش عليها.

قلت:

— أمي… أقصد حماتي، كانت فاكرة إنك أنت اللي ماسك فلوس البيت، صح؟

أحمد سكت.

— وكانت فاكرة إن كل حاجة باسمك.

لسه ساكت.

— بس الحقيقة إنك كنت بتستخدم اسمي وفلوسي من ورايا.

صرخت سعاد:

— أحمد! رد عليها!

أحمد أخيرًا انفجر:

— ما كانش قدامي حل!

سكت الجميع.

أنا قربت خطوة.

— يعني إيه ما كانش قدامك حل؟

مسح وشه بإيده وقال:

— الشركة كانت بتغرق. كنت محتاج فلوس بسرعة. لو قلتلك، كنتِ هترفضي.

— فسرقتني؟

— أنا ما سرقتكيش!

رفعت الورقة قدامه.

— دي موافقة على قرض باسمي وأنا ما وقعتش عليها.

وشه اصفر.

داليا أخذت نفسًا عميقًا وقالت:

— وده تحديدًا هو الجزء اللي هيغيّر الموضوع كله.

سعاد بصت لابنها بخوف.

— أحمد… إنت عملت إيه؟

هو ما ردش.

لكن فجأة، صوت أحد الظباط قطع الصمت:

— يا مدام ليلى، في حاجة تانية لازم تشوفيها.

قرب الضابط من داليا وسلمها ظرف صغير.

فتحته.

داليا قرأت أول ورقة، وملامح وشها اتغيرت.

— ليلى… لازم تشوفي ده.

أخذت الورقة.

كانت صورة من عقد ملكية البيت.

لكن في أسفل الصفحة كان فيه توقيع مزور باسمي.

رفعت عيني لأحمد.

— إنت حاولت تبيع البيت؟

اتراجع خطوة.

— لأ…

داليا قاطعته:

— الورقة دي تثبت إن في محاولة لنقل الملكية.

قلت:

— لمين؟

داليا قلبت الصفحة.

ثم توقفت.

نظرت إلى سعاد.

— للسيدة سعاد عبد الرحيم.

الهواء نفسه كأنه اختفى من المكان.

سعاد فتحت بقها من الصدمة.

— أنا؟!

بصيت لها.

— أيوه… إنتِ.

بدأت تهز راسها بعنف.

— لا! والله ما أعرف حاجة!

بصيت لأحمد.

— هي كانت عارفة؟

أحمد ما ردش.

وهنا فهمت.

ما كانش الموضوع مجرد أم متسلطة دخلت بيت ابنها.

ولا مجرد زوج ضعيف وقف يتفرج.

كان فيه شيء أكبر.

وأخطر.

قلت لداليا:

— أنا عايزة أعرف كل حاجة.

هزت راسها.

— وهتعرفي. لأن الملف ده لسه فيه صفحات ما شفناهاش.

فتحت آخر جزء من الملف.

وفيه صورة تحويل بنكي حديث.

المبلغ كان ضخمًا.

والحساب المستفيد كان باسم شركة.

لكن اسم صاحب الشركة جعل الدم يهرب من وشي.

كان اسم الشخص اللي أسسها…

والدي المتوفى.

اتجمدت.

والدي مات من سبع سنين.

قلت بصوت مبحوح:

— ده مستحيل.

داليا بصتلي.

— واضح إن والدك ما كانش مجرد اسم في الأوراق.

أحمد فجأة صاح:

— داليا، كفاية!

التفتنا له جميعًا.

قال وهو بيرتجف:

— إنتِ مش فاهمة الموضوع كله.

قربت منه.

— يبقى ابدأ تتكلم.

سكت ثواني طويلة.

وبعدين قال جملة واحدة قلبت كل حاجة:

— أبوكي مات وهو سايب وراكي سر… وأنا كنت بحاول أخبيه عنك.

سكت المكان كله.

وأنا بصيت له وأنا مش قادرة أصدق.

— إيه السر؟

أحمد رفع عينيه ناحيتي.

وقبل ما يرد، رن تليفونه.

بص للشاشة.

وشه فقد لونه.

مد إيده يقفل المكالمة، لكن داليا شافت الاسم.

وقالت بهدوء:

— مين المتصل؟

أحمد ما ردش.

داليا أخذت التليفون من إيده.

وقرأت الاسم بصوت واضح:

— حسام عبد الرحمن.

أنا تجمدت.

ده كان اسم عم أبويا.

الرجل اللي العيلة كلها قالت إنه مات من عشر سنين.

لكن الهاتف كان بيرن…

من رقمه.

حكايات شروق خالد

بصيت للموبايل وكأني شايفة شبح قدامي.

— حسام عبد الرحمن؟!

أحمد حاول ياخد التليفون من إيد داليا، لكنها بعدته عنه.

— متتحركش.

المكالمة لسه شغالة.

وبعد ثواني، سمعنا صوت راجل من الناحية التانية:

— أحمد… إنت عملت اللي اتفقنا عليه؟

قلبي دق بعنف.

الصوت كان هادي، لكنه مألوف بشكل مرعب.

داليا ضغطت على زر السماعة الخارجية.

وقالت:

— معاك المحامية داليا منصور. مين حضرتك؟

صمت.

وبعدين الصوت رد:

— أنا حسام عبد الرحمن.

رجلي ما بقتش شايلاني.

— مستحيل…

الصوت سكت لحظة، وبعدين قال:

— ليلى… لو سمعتي صوتي، يبقى أحمد فشل.

بصيت لأحمد.

وشه كان مليان رعب.

— فشل في إيه؟

الرجل ضحك ضحكة قصيرة.

— في إنه يخليكي تمضي على التنازل قبل ما تعرفي الحقيقة.

داليا بصت لأحمد بحدة.

— تنازل عن إيه؟

حسام رد:

— عن حقها في شركة أبوها.

اتجمدت.

— شركة أبويا؟

— أيوه يا ليلى. أبوكي ما كانش مجرد صاحب شركة صغيرة زي ما العيلة قالتلك. أبوكي كان شريك في مجموعة كبيرة، ونصيبه كان باسمك من يوم ولادتك.

حسيت الدنيا بتلف بيا.

— طب ليه محدش قالي؟

الصوت رد بهدوء:

— لأن أبوكي كان عارف إن في ناس من العيلة مستعدة تعمل أي حاجة عشان تاخد نصيبك.

بصيت لأحمد.

— وإنت كنت واحد منهم؟

أحمد نزل عينيه.

— في الأول… أيوه.

اتوجعت أكتر من أي كلمة.

— في الأول؟

رفع عينيه وقال:

— أنا دخلت في الموضوع عشان الفلوس. بس بعدين حاولت أوقفهم.

ضحكت بمرارة.

— وتوقيع مزور باسمي؟ ده كان إيقاف؟

أحمد قرب مني.

— ليلى، اسمعيني…

رجعت خطوة.

— متقربش.

 

سكتت.

— كنتِ عارفة إن البيت باسمي؟

هزت راسها ببطء.

— أحمد قاللي إن البيت هيبقى باسمي قريب.

ابتسمت رغم دموعي.

— يعني كنتِ مستنية تاخدي بيتي؟

— أنا آسفة…

— متقوليش آسفة.

قاطعتها.

— أنا مش عايزة اعتذار. أنا عايزة الحقيقة.

فجأة، حسام قال من التليفون:

— الحقيقة موجودة في خزنة أبوكي.

بصيت للموبايل.

— فين الخزنة؟

— في البيت القديم.

— البيت اللي اتباع بعد وفاته؟

— لأ.

سكت لحظة.

— البيت ما اتباعش يا ليلى.

داليا عقدت حاجبيها.

— يبقى مين اللي باع البيت؟

حسام رد:

— الشخص اللي زور توقيع أبوها.

الكل سكت.

وبعدين قال:

— والشخص ده هو نفس الشخص اللي حاول يسرق حقها في الشركة.

بصيت لأحمد.

لكن أحمد كان بيبص لسعاد.

وسعاد كانت بتبص للأرض.

فهمت إن واحد فيهم كان عارف أكتر مما بيقول.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى