
الصوت اللي جاي من بره القصر كان عبارة عن هدوء يسبق العاصفة، لكن جوه الجناح، مريم كانت حاسة إن دقايق عمرها بتعدي ببطء قاتل. الصمت اللي ساد بعد ما عز الدين قفل الباب وراه زاد من رعبها، فجريت بسرعة على الشباك وحاولت تبص لتحت في الجنينة الخلفية.
تحت ضوء الكشافات الضعيف، شافت ظلال سوداء بتحرك بخفة واحترافية شديدة بين الشجر. رجالة ملثمين لابسين أسود في أسود، لابسين خوذ وكاتمات صوت على عدتهم، بيتحركوا كأنهم أشباح. الحرس بتوع القصر مكانوش عارفين مكانهم بالظبط، وده معناه إن رجالة سالم دربوا على اقتحام القصور دي مئات الممرات.
فجأة، صوت حركة خفيفة مكتومة “همس.. همس” هز المكان من جهة البوابة الخلفية، تلاه صوت تكسير زجاج عالي. مريم حطت إيديها على بقها عشان تمنع صرخة كانت هتهز الأوضة. قلبها كان بيدق بجنون وهي بتفكر: “هل عز الدين هيلحقهم؟ ولا دي النهاية؟”
في نفس اللحظة، جوه الممر الطويل، عز الدين كان نازل السلم بخطوات واسعة ومرعبة، وعينيه بتلمع ببريق قاتل. عمّار وأربعة من أعتى الحرس كانوا مستنيينه ومعاهم عدتهم المجهزة.
عز الدين قال بصوت هادئ بس مليان شر: “دخلوا منين؟”
عمّار رد بسرعة وعرقه بينزل: “من السور الخلفي للمطبخ يا باشا، قطعوا السلك وشالوا الكاميرات في الزاوية الميتة.. هما خمسة لحد دلوقتي اللي ظهروا على الكاميرات، بس غالباً فيه تانيين بره.”
عز الدين كشر وقال: “خمسة بس؟ مفكرين قصر عز الدين الروسي صالة استضافه! اسمعوا الكلمة دي كويس: مش عايز ولا واحد فيهم يطلع حي من هنا.. ومش عايز صوت حركة يلفت انتباه الجيران.. خلصوا عليهم بالأدوات أو العدد، وأنا هقبل رئيسهم بنفسي.”
الحرس هزوا راسهم بحزم وانتشروا في الممرات المظلمة بخبرة ناس شافوا المواقف كتير. عز الدين سحب أداته الفضية من تحت جاكيت بديلته، وتحرك لوحده في اتجاه الجناح الغربي اللي فيه باب الخدم، المكان اللي متوقع إن الدخلاء هيحاولوا يتسسللوا منه عشان يبعدوا عن الواجهة الرئيسية.
المعركة بدأت من غير ما حد يحس بره، أصوات اشتباكات قريبة، طعنات مكتومة، وصوت جسد وقع على الأرض بقوة. عز الدين كان ماشي في الممر المظلم، سامع صوت خطوات تقيلة بتقرب من الباب اللي وراه. وقف مكانه، استنى لحد ما الباب اتفتح ببطء شديد ودخل منه أول ملثم شايل عدته وموجهها قدامه.
قبل ما الملثم يرفع عدته، عز الدين كان نزل عليه زي الصقر، حركة واحدة بمقبض أداته على إيده وقعت العدّة، وحركة تانية برجليه على ركبته خلته يقع على الأرض. عز الدين داس برجله على صدره، ووطى لوشه وقاله بصوت واطي ومرعب:
“قول لسالم المنسي.. إنه بعث رجاله لحتة غلط خالص.”
الملثم حاول يتحرك، بس عز الدين ضغط بإيده أكتر وربط على كتم أنفاسه لحد ما فقد الوعي تماماً. وفي اللحظة دي، دخل عمّار وجايب معاه ملثم تاني متكتف، وقال بلهفة: “يا باشا، الباقيين انتهينا منهم.. بس فيه واحد فيهم هرب وطلع على السلم اللي بيودي للجناح العُلوي.. ناحية أوضة المدام!”
عز الدين اتجمعت الشدة في عيونه، وساب الراجل اللي على الأرض في ثانية، وجري بسرعة البرق على السلم، كأن روحه هي اللي بتتسحب، وصوته ردد في القصر بغضب أعمى: “لو قرب منها.. هواجهه بقوة!”
عز الدين طلع السلم بثلاث درجات في الدفعة الواحدة، وغضبه فاير في عروقه. فكرة إن حد غريب، وخصوصاً من رجالة سالم، قدر يوصل لحد الجناح اللي فيه مريم، كانت كفيلة تخليه يفقد عقله. القصر كان هادي لدرجة مرعبة، والصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صوت خطواته السريعة اللي بتردد في الممر الطويل.
وصل قدام باب الجناح، ولقى المفتاح مكسور في القفل، والباب موطّي ومفرود لبرة.
زق الباب برجله بعنف لحد ما خبط في الحيطة. جوة الأوضة، المنظر كان بيجمد القلب: الملثم الأخير كان ماسك مريم من دراعها وقاسي عليها، ورافع أداة حادة قدام رقبتها البيضا، وأول ما سمع صوت الباب، بص لعز الدين بابتسامة خبيثة وقال بصوت مشدود: “قف مكانك يا كبير.. خطوة كمان ومرتك في خطر!”
مريم كانت ملامحها باين عليها الخوف، بس عيونها كانت ثابتة وبتنقل نظرة تحذير لعز الدين كأنها بتقوله “متخاطرش”.
عز الدين وقف في مكانه ببطء، كأنه بيتراجع، بس ملامحه كانت متجمدة وباردة لدرجة تخوف. صوته طلع من بين ضلوعه هادئ وواثق بشكل مرعب: “سيبها.. وإنت تاخد فرصة تخرج من الباب ده حي. غير كده، مش هيلحقوك حتى للهروب.”
الملثم ضغط بالأداة أكتر على رقبتها لحد ما أثر أحمر صغير ظهر، وقال بعصبية: “ما تحاولش تلعب معايا، سالم بيه بيمسي عليك وبيقولك البضاعة بتدور حواليك!”
في أقل من لمح البصر، وفي اللحظة اللي الملثم رمش فيها، عز الدين عمل حركة ما حدش توقعها. رمى أداته على الأرض، وبحركة بهلوانية وسريعة جداً، طار الهواء وطلع من جيبه أداة صغيرة فتحها بأسنانة، وذفها بمهارة قاسية استقرت في كتف الملثم اليمين بالظبط.
الملثم صرخ بصوت مكتوم وساب الأداة من إيده وهو بيمسك كتفه اللي متأثر، ومريم فوراً نزلت من تحته وجريت على جنب الأوضة.
قبل ما الملثم يلحق يستوعب اللي حصل، كان عز الدين قدامه، مسكه من تلابيب هدومه ونزل فيه تأديب قوي لحد ما رماه على الأرض فاقد الوعي تماماً، ووشه مليان أثر.
عز الدين خد نفسه بصعوبة، وبعدين لف بسرعه وبص لمريم اللي كانت واقفة بتترتعش ودموعها نازلة في سكتها. قرب منها بخطوات واسعة، مسك وشها بإيديه الاتنين وقال بصوت فيه لهفة وخوف حقيقي أول مرة يبان عليه: “إنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟”
مريم هزت راسها بالنفي، ودموعها نزلت على إيده، وقالت بصوت مكسور: “أنا خايفة يا عز الدين.. سالم مش هيسيبنا.. المواجهة دي مش هتخلص.”
عز الدين مسح دموعها بابهام إيده، وبص في عيونها بنظرة تحدي لا تقبل الشك، وقال: “سالم فاكر نفسه يلعب لوحده، بس من اللحظة دي.. اللعبة اتغيرت، وأنا اللي هواجهه بنفسي لحد عنده عشان أنهي الكابوس ده للأبد.”
#حكايات_شروق_خالد
عز الدين سحب إيده بحسم، ووجه كلامه لعمّار اللي ظهر فجأة على باب الجناح ومعاه اتنين من الحرس، بيلهاثوا وآثار المعركة واضحة على لبسهم. قال بصوت صارم: “أمّنوا الشخص ده، ولو صحي، ودوه المخزن السفلي.. محدش ينهيه قبل ما أقول بنفسي.”
عمّار هز راسه بسرعة وقال: “تحت أمرك يا باشا.. والاتنين اللي بره تخلصنا منهم، والمنطقة هادية تماماً مفيش أي صوت لفت انتباه الجيران.”




