
— وإنت شاكك في مين؟
قبل ما يجاوب، صوت خبط قوي هز باب المحل.
مرة.
مرتين.
ثم مرة ثالثة.
حسن سحب مسدسه فورًا.
مريم شهقت واتراجعت.
أما آسر، فثبت مكانه تمامًا.
الخبط توقف.
ثانية.
ثانيتين.
وبعدين دخل ظرف أبيض من تحت الباب.
حسن بص لآسر.
آسر أشار له.
حسن انحنى وأخذ الظرف.
فتحه.
سحب ورقة واحدة.
قرأها.
ولأول مرة، مريم شافت الخوف الحقيقي في عيني رجل آسر المنشاوي.
قال حسن بصوت منخفض:
— مكتوب اسمها.
مريم همست:
— اسمي؟
آسر أخذ الورقة منه.
قرأ الجملة.
وكان مكتوب بخط أسود واضح:
“ابعد إيدك عن مريم عبد الرحمن… وإلا المرة الجاية مش هنبعت ورقة.”
سقط الصمت على المحل.
مريم بصت لآسر.
ثم للورقة.
ثم قالت بصوت مرتعش:
— هو مين؟
آسر رفع عينيه لها.
وفي اللحظة دي، فهمت مريم إن السؤال اللي سألها عنه من شوية ماكانش غيرة وبس.
كان عارف إن حد بيراقبها.
وكان خايف عليها.
لكن اللي ما فهمتوش…
هو ليه رجل زي آسر المنشاوي، ملياردير يقدر يجيب أي حد في القاهرة، كان مستعد يحط نفسه في خطر علشان يحمي خياطة مفلسة زيها؟
آسر طوى الورقة ببطء.
وقال:
— لأنك من النهارده مش مجرد خياطتي.
مريم عقدت حواجبها.
— أمال أنا إيه؟
بص لها طويلًا.
ثم قال:
— نقطة الضعف الوحيدة اللي أعدائي عرفوا يوصلوا لها.
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت أنوار المحل.
وسمعوا صوت طلقة نارية من الشارع.
مريم صرخت.
آسر اندفع ناحيتها، جذبها لصدره، وغطاها بجسمه.
طلقة تانية اخترقت زجاج الواجهة.
وانغرست في الحائط خلفهم.
حسن صرخ:
— انزلوا!
لكن آسر ما تحركش.
كان لسه حاضن مريم، وإيده ثابتة خلف رأسها.
ولأول مرة، سمعت مريم نبض قلبه.
كان سريعًا.
غاضبًا.
وخائفًا.
وعرفت وقتها إن أخطر رجل في القاهرة…
كان فعلًا خائفًا.
لكن مش على نفسه.
كان خائفًا عليها.
حكايات شروق خالد
لمريم ما لحقتش تستوعب اللي حصل.
صوت الطلقات كان لسه بيرن في ودانها، وريحة البارود مالية المكان، وإيد آسر كانت محاوطاها بقوة كأنه لو سابها ثانية واحدة ممكن تختفي من قدامه.
حسن كان منزّل جسمه ورا الترابيزة، ومسدسه في إيده.
— آسر!
آسر ما ردش.
كان مركز في مريم.
— إنتِ كويسة؟
مريم رفعت عينيها له، ولسانها كان عاجز يطلع كلمة.
هزت راسها ببطء.
— أيوه…
آسر أبعدها عنه بالعافية، وبص على جسمها من فوق لتحت يتأكد إنها ما اتصابتش.
— متأكدة؟
— أيوه.
حسن زحف ناحية الشباك المكسور، وبص بحذر ناحية الشارع.
— العربية اختفت.
آسر قام.
ملامحه اتغيرت تمامًا.
الرجل اللي كان من شوية واقف بهدوء وبيتكلم مع مريم، اختفى.
مكانه ظهر رجل تاني.
بارد.
خطير.
ومستعد يعمل أي حاجة.
آسر مد إيده.
— هات الورقة.
حسن اداله الورقة.
آسر بص للجملة مرة تانية.
وبعدين رفع عينه لحسن.
— مين كان مكلف بمراقبة المحل؟
— اتنين.
— فينهم؟
حسن سكت.
آسر صوته بقى أخطر.
— سألتك فينهم؟
— واحد منهم ما بيردش.
مريم سمعت الجملة، وقلبها اتقبض.
— يعني إيه ما بيردش؟
حسن بص لها، لكنه ما ردش.
آسر هو اللي قال:
— يعني إن اللي ضرب النار مش شخص عادي.
مريم قربت منه.
— آسر…
وقف وبصلها.
— إيه؟
— أنا مش فاهمة حاجة.
— هتفهمي.
— مين الناس دي؟
— ناس المفروض إنهم ما يعرفوش اسمك أصلًا.
— بس هم عرفوه.
آسر سكت.
مريم قربت خطوة.
— وعرفوا اسم أبويا كمان؟
ملامح آسر تجمدت.
— مين قالك إنهم عرفوا اسم أبوكي؟
— إنت لما قلت لحسن يروح له… كنت خايف عليه.
سكت.
مريم بصت له بثبات.
— صح؟
آسر أخذ نفس طويل.
— أيوه.
— ليه؟
— لأن الرسالة دي مش أول تحذير.
مريم اتصدمت.
— إيه؟
حسن رفع عينه لآسر.
— ما كنتش عايز تقولها.
آسر رد ببرود:
— دلوقتي لازم تعرف.
مريم حست إن رجليها مش شايلينها.
— تعرف إيه؟
آسر قرب منها.
— من حوالي شهر، حد بدأ يسأل عنك.
— عني أنا؟
— أيوه.
— ليه؟
— مش عارف.
— طب إنت ليه ما قلتليش؟
— لأن وقتها ما كانش عندي دليل إنك في خطر.
ضحكت مريم ضحكة صغيرة مليانة خوف.
— ودلوقتي عندك دليل؟
آسر بص ناحية الشباك المحطم.
— عندي رصاصتين.
سكتت.
وبعدين قالت:
— إنت كنت عارف إن ده ممكن يحصل؟
— كنت شاكك.
— وعشان كده سألتني إذا كان عندي حبيب؟
آسر بص لها.
لثواني، ما ردش.
مريم فهمت.
— كنت خايف حد يستخدمه ضدي؟
— أيوه.
— ولا كنت غيران؟




