منوعات

اتصل بيا جوزي من المستشفى وقال: «في طفلة هنا»… حكايات شروق خالد

حكايات شروق خالد

«البنت دي… بنتي.»

الكلمة نزلت عليا كأنها صفعة.

فضلت باصة له من غير ما أرمش.

«بنتك؟»

هز راسه.

«أيوه.»

ضحكت ضحكة قصيرة، بس ما كانش فيها أي فرحة.

«يعني إيه بنتك يا حسن؟»

قرب خطوة.

رجعت أنا خطوة لورا.

«يعني إيه بنتك؟! إنت بتقول إيه؟»

بص حواليه، والممر كان هادي إلا من صوت عربيات التمريض وأجهزة بعيدة بتصدر صفير خافت.

قال بصوت واطي:

«أنا مش بخونك.»

صرخت:

«أمال إيه؟!»

«اسمعيني بس.»

«إنت بتقول لي إن فيه طفلة جوه أوضة الولادة، وبتقول إنها بنتك! وعايزني أسمعك؟ أسمع إيه يا حسن؟ إنك كنت عايش حياة تانية وأنا معرفش؟»

عينيه اتمَلوا دموع.

«أنا عمري ما خنتك.»

«طب البنت دي جت إزاي؟»

سكت.

ودي كانت اللحظة اللي فهمت فيها إن فيه سر أكبر من الخيانة.

لأن الراجل اللي قدامي كان مرعوب.

مش من غضبي.

كان مرعوب من حاجة تانية.

مد إيده ناحية إيدي، لكني سحبتها.

«متلمسنيش.»

نزل إيده.

وقال:

«من حوالي تلات سنين، أنا عرفت إن فيه واحدة حامل.»

قلبي وجعني.

«واحدة مين؟»

«اسمها سمر.»

الاسم ما كانش له أي معنى بالنسبالي.

قلت:

«ومين سمر دي؟»

«أخت واحد صاحبي قديم.»

«وبعدين؟»

ابتلع ريقه.

«أخوها مات في حادثة من أربع سنين. وسابها لوحدها، وهي كانت وقتها حامل.»

بصيت له باستغراب.

«وأنا مالي؟»

«لما كانت في آخر شهور الحمل، حصلت لها مشاكل في القلب. الدكتور قال إن الولادة ممكن تقتلها.»

سكت لحظة.

«وهي كانت عارفة إنها لو ماتت، بنتها هتدخل دار رعاية.»

حطيت إيدي على صدري.

«إنت كنت تعرفها؟»

«معرفتهاش بالشكل اللي إنتِ فاكره.»

«يعني إيه؟»

«أنا قابلتها مرة واحدة.»

«فين؟»

«في المستشفى.»

كنت مستنية يكمل.

قال:

«هي طلبت مني طلب.»

«إيه؟»

«قالت لي لو حصل لها حاجة، آخد بنتها وأربيها.»

سكت.

أنا ما قدرتش أتكلم.

وبعدين قلت:

«ووافقت؟»

هز راسه.

«أيوه.»

«من غير ما تقولي؟»

غمض عينيه.

«كنت عايز أقولك.»

ضحكت بمرارة.

«إمتى؟ بعد ما البنت تكبر؟»

«كنت خايف.»

«خايف من إيه؟»

بص لي.

«خايف أقولك إن فيه فرصة لبنت في حياتنا… وأنا عارف إنك لو عرفتي، هتتعلقي بيها.»

دموعي نزلت غصب عني.

«يعني إنت كنت بتخبي عني بنت؟»

«مش بنتي بالدم.»

«بس قلت بنتي.»

«لأنها بقت بنتي من أول لحظة وعدت فيها أمها إني مش هسيبها.»

هزيت راسي.

«طب أمها فين؟»

وشه اتكسر.

«ماتت النهارده الصبح.»

غمضت عيني.

فجأة غضبي اختفى للحظة.

فضل وجع غريب مكانه.

«يعني… البنت ملهاش حد؟»

«ملهاش حد.»

«وأهلها؟»

«عمها في الصعيد، بس قال إنه مش قادر ياخدها. وجدتها كبيرة في السن ومريضة.»

سكت.

وبعدين قال:

«وفي وصية رسمية.»

بصيت له.

«وصية؟»

«أمها كتبت اسمي فيها. قالت إنها واثقة إني هحافظ على بنتها.»

فضلت ساكتة.

وبصيت من خلال الزجاج للطفلة.

كانت صغيرة جدًا.

إيدها كانت طالعة من البطانية، وصوابعها مقفولة على بعضها.

قلت بصوت ضعيف:

«اسمها إيه؟»

حسن بص لي.

«ملك.»

قلبي اتقبض.

ملك.

الاسم اللي كنت اخترته من وأنا عندي 19 سنة.

نفس الاسم.

نفس الاسم اللي كنت بقوله في سري طول السنين.

بصيت لحسن.

«إنت… كنت عارف اسمها؟»

هز راسه.

«أيوه.»

«وعارف إني كنت عايزة أسمي بنتي ملك؟»

«أيوه.»

«ومن إمتى؟»

«من أول ما اتجوزنا.»

حسيت الدنيا بتلف بيا.

«وليه ما قلتليش؟»

«لأني كنت مستني أشوف هنعمل إيه.»

سكت لحظة.

«لكن لما حملت أمها، عرفت إن الحكاية ممكن تتحول لحقيقة. وفضلت ساكت… لأني كنت خايف أديكي أمل في حاجة مش مضمونة.»

حطيت إيدي على وشي.

وبدأت أعيط.

مش عشان البنت بس.

كنت بعيط على كل السنين اللي قضيتها وأنا مقتنعة إن حلمي انتهى.

على كل مرة شفت فيها فستان بنت صغير في محل، وبصيت الناحية التانية.

على كل مرة سمعت واحدة بتقول «بنتي» وحسيت بحاجة بتوجعني جوايا.

وعلى حسن.

لأنه كان شايل السر ده لوحده.

قرب مني وقال:

«أنا مش جاي أفرضها عليكي.»

بصيت له.

«أمال جاي ليه؟»

«عشان لو إنتِ مش موافقة… هروح بيها دار رعاية.»

اتسعت عيني.

«لأ.»

خرجت الكلمة مني بسرعة لدرجة إني أنا نفسي اتفاجئت.

حسن سكت.

قلت:

«لأ… مش هتروح دار رعاية.»

«نادية، القرار ده مش سهل.»

«هي فين؟»

«جوه.»

«عايزة أشوفها.»

بص لي.

«متأكدة؟»

مسحت دموعي.

«أنا مش عارفة أنا متأكدة من إيه.»

ودخلت.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى