
— إيه؟
ناولها الجواز.
جولي قرأت الاسم.
صوفيا الكيلاني.
وتحت الاسم صورة أمها.
لكن المفاجأة لم تكن في الصورة.
كانت في تاريخ الإصدار.
الجواز صدر قبل ثمانية أشهر.
جولي رفعت عينيها ببطء.
— ده مستحيل.
آدم أخذ الجواز منها.
— أمك اختفت من سبع شهور.
— أيوه.
— يبقى حد استخرج جواز سفر باسمها قبل رحيلها بشهر.
جولي بدأت تتنفس بسرعة.
— أو…
سكتت.
آدم فهم.
— إنتِ بتفكري إنها لسه موجودة؟
جولي هزت رأسها.
— أنا شفتها وهي بتودعني في المستشفى.
— متأكدة؟
— كنت جنبها.
آدم ظل صامتًا.
ثم فتح ملفًا آخر.
كان فيه تقرير طبي.
اسم المريضة:
كلير بينيت.
لكن تاريخ الدخول للمستشفى كان قبل مغادرتها بيوم واحد فقط.
وفي خانة الملاحظات، كانت هناك عبارة بخط اليد:
“لا تسمحوا لأي شخص بمعرفة هويتها الحقيقية.”
جولي وضعت يدها على فمها.
— مين كتب الكلام ده؟
آدم قلب الورقة.
كان هناك توقيع.
نظر إليه طويلًا.
ثم قال:
— الدكتور سامح العشري.
جولي عبست.
— مين ده؟
آدم رفع عينيه.
— طبيب كان شغال مع عيلة الكيلاني من عشرين سنة.
— وهو فين دلوقتي؟
— اختفى من خمس سنين.
سكت لحظة.
ثم وجد ورقة صغيرة داخل الملف.
فتحها.
كان مكتوبًا:
“لو وصلت الأوراق إلى جولي، يبقى صوفيا فشلت في حمايتها. لا تثق في المنصوري.”
آدم توقف.
جولي أخذت الورقة من يده.
— مكتوب ما تثقش في المنصوري.
رفعت عينيها له.
— وإنت منصوري.
لم يغضب.
قال بهدوء:
— عشان كده أنا مش هطلب منك تثقي فيا.
— أمال؟
— هخلي أفعالي هي اللي تقرر.
جولي ظلت تنظر إليه.
ثم قالت:
— أنا راجعة للمستشفى.
— مستحيل.
— لازم أعرف مين كان مع أمي في آخر ليلة.
— المكان ممكن يكون مراقب.
— وأنا مش هفضل مستخبية هنا.
اقترب آدم منها.
— جولي، الناس دي حاولت توصل لك مرتين في ساعات قليلة.
— وأنا مش هقضي باقي حياتي وأنا بخاف منهم.
نظر لها طويلًا.
ثم أومأ.
— تمام.
— تمام؟
— هنروح.
فتح باب السيارة لها.
— بس هتفضلي جنبي.
ركبت.
آدم أغلق الباب.
وقبل أن يصعد، جاءه اتصال.
رد.
— نعم؟
جاء صوت امرأة مرتعش من الطرف الآخر.
— آدم؟
تجمد.
كان صوتًا يعرفه.
صوتًا لم يسمعه منذ واحد وعشرين عامًا.
— مين؟
المرأة بدأت تبكي.
— أنا… صوفيا.
آدم لم يتحرك.
جولي لاحظت تغير وجهه.
— آدم؟
وضع الهاتف على أذنه بقوة.
— إنتِ فين؟
جاء الرد:
— مش مهم أنا فين.
صمتت لحظة.
ثم قالت:
— المهم إن جولي ما تروحش المستشفى.
آدم تجمد.
— ليه؟
صوت صوفيا ارتجف.
— لأن الشخص اللي كان سبب في اختفاء أبوكي الحقيقي…
ثم انقطع صوتها للحظة.
— هو نفسه الشخص اللي ظل يبحث عني.
آدم قال:
— إنتِ بتقولي إيه؟
لكن صوفيا لم تجب.
جاء صوتها للمرة الأخيرة:
— ابعد بنتي عن أخويا… قبل ما يعرف إنها لسه موجودة.
وانقطع الخط.
آدم ببطء أنزل الهاتف.
جولي بصت له.
— أخوها؟
رفع عينيه إليها.
— أيوه.
— مين؟
ظل صامتًا لثوانٍ.
ثم قال:
— عمك.
جولي تجمدت.
— أنا ما عنديش أعمام.
آدم فتح باب السيارة.
نظر إليها بجدية.
— كان عندك.
ثم أضاف:
— وعمك هو الشخص الوحيد اللي كان يعرف إن أمك هربت… وإنك اتولدتي بعدها.
في اللحظة نفسها، أضاء هاتف جولي.
وصلتها رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة قديمة لأمها.
واقفة أمام بوابة مستشفى.
وتحت الصورة جملة واحدة:
“لو عايزة تعرفي ليه أمك اختفت… تعالي لوحدك.”
جولي فضلت باصة للصورة، وإيديها بتترعش.
— دي أمي…
آدم أخذ الهاتف منها.
الصورة كانت واضحة.
صوفيا كانت واقفة فعلًا قدام مستشفى قديم في القاهرة، لكن الصورة ما كانتش حديثة زي ما الرسالة بتحاول توحي.
آدم قرب الصورة.
— استني.
كبر التاريخ الصغير الموجود أسفل الصورة.
— الصورة دي اتصورت من سبع شهور.
جولي بصت له.
— يعني؟
— يعني الشخص اللي بعتها لك عايزك تصدقي إن أمك موجودة دلوقتي.
فتح آدم بيانات الصورة.
بعد ثوانٍ، ظهرت معلومة مخفية.
— الصورة اتبعت من رقم تابع لمكتب عمك.
جولي شهقت.
— بس إنت قلت إنه عايز يوصل لي.
— هو مش عايز يوصلك مباشرة.
رفع عينيه لها.
— هو عايز يوصلك لمكان معين.
في نفس اللحظة، وصلتهم رسالة جديدة:
“تعالي مستشفى الرحمة الساعة 12 بالليل. لو ما جيتيش، الحقيقة هتختفي للأبد.”
جولي بصت لآدم.
— أنا رايحة.
— وأنا جاي معاكي.
— الرسالة قالت لوحدي.
— والرسالة مش هي اللي بتقرر.
بعد ساعة، وصلوا للمستشفى.
المبنى كان قديمًا ومهجورًا، والممرات غارقة في ظلام متقطع بسبب لمبات ضعيفة.
آدم دخل الأول، وجولي خلفه.
— خليكي قريبة.
وصلوا إلى الدور الثالث.
هناك وجدوا باب غرفة مفتوحًا.
دخل آدم.
كانت الغرفة فارغة.
لكن على السرير كانت توجد حقيبة جلدية قديمة.
جولي اقتربت.
عرفتها فورًا.
— دي بتاعة أمي.
فتحتها.
في الداخل كانت هناك صور، أوراق، وشريط تسجيل صغير.
وفوق كل شيء رسالة مكتوب عليها:
إلى جولي.
فتحتها.
بدأ صوت أمها يخرج من جهاز التسجيل.
— جولي… لو بتسمعي الرسالة دي، يبقى أنا فشلت أخبيكي أكتر.
جولي بدأت تبكي.
— أنا ما كنتش مريضة زي ما قلت لك.
آدم تجمد.
— المرض كان مجرد حجة عشان أحميكي.
صوت صوفيا ارتعش.
— أبوكي الحقيقي اختفى قبل ما تولدي. لكن قبل اختفائه، سلّمني دليل يثبت تورط أخويا في أسرار العيلة.
جولي همست:
— عمي…
— أيوه. أخويا هو اللي كان سبب في اختفاء أبوكي الحقيقي. وهو اللي ظل يبحث عني سنين طويلة. وهو اللي حاول يوصل لك.
توقفت صوفيا لحظة.
— أما عيلة المنصوري… فوالد آدم كان واحدًا من الرجال اللي حاولوا حمايتي.
آدم أغلق عينيه.
كل الأكاذيب التي عاش عليها طوال حياته بدأت تنهار.
تابع صوت صوفيا:
— آدم، لو إنت مع جولي، فأنا عارفة إنك هتعمل المستحيل عشان تحميها.
ثم قالت:
— لكن أهم حاجة لازم تعرفها… أبوك ما كانش السبب في اختفائي.
سكت التسجيل.
ثم جاء آخر سطر:
— هو حاول يساعدني، وأنا فضلت أختفي عشان أحمي بنتي.
جولي غطت فمها.
آدم ظل واقفًا بلا حركة.
وفجأة سمعوا صوت تصفيق من خلف الباب.
ظهر رجل مسن في نهاية الممر.
ابتسم.
— أخيرًا وصلتوا.
جولي عرفت وجهه من صورة قديمة كانت أمها محتفظة بها.
— عمي…
قال الرجل:
— كنتِ لازم تعرفي الحقيقة يومًا ما.
آدم وقف أمامها.
— إنت اللي كنت بتدور على أبوها؟
ضحك الرجل.
— أبوها كان يعرف أسرار أكبر من اللازم.
ثم حاول التقدم.
لكن قبل ما يصل إليهما، ظهرت قوات الأمن في الممر.
تمت السيطرة على الموقف بسرعة، وتم اقتياد الرجل بعيدًا للتحقيق.
جولي وقفت مكانها، غير قادرة على استيعاب أن كل شيء اتغير في ساعات قليلة.
ثم سمعت صوتًا خلفها.
صوتًا تعرفه أكثر من أي صوت في العالم.
— جولي؟
التفتت.
كانت امرأة واقفة عند نهاية الممر.
نحيفة.
شاحبة.
لكن عينيها هما نفس العينين.
عينا أمها.
جولي جرت نحوها.
— ماما!
احتضنتها صوفيا وهي تبكي.
— سامحيني يا بنتي.
— إنتِ كنتِ موجودة!
— كنت بحاول أحميكي.
جولي دفنت وجهها في صدرها.
— أنا كنت فاكرة إني خسرتك.
— وأنا كنت كل يوم أتمنى أشوفك من بعيد.
بعد دقائق، ابتعدت جولي ونظرت إلى آدم.
كان واقفًا بعيدًا، تاركًا لهما المساحة.
اقتربت منه.
— وإنت؟
— أنا إيه؟
— هتفضل واقف بعيد كده؟
ابتسم.
— دي لحظة أم وبنت.
مسكت إيده.
— وإنت بقيت جزء من حياتي.
نظر إلى أصابعها وهي تمسك يده.
ثم قال:
— من أول يوم شفت القلادة، وأنا عارف إن حياتي هتتغير.
ضحكت وسط دموعها.
— وأنا من أول يوم طلبت فيه البيتزا، كنت فاكرة إن أكبر مصيبة هتحصل لي إن الزبون ما يدينيش بقشيش.
ضحك آدم لأول مرة من قلبه.
وبعد فترة، ظهرت الحقيقة كاملة.
انتهت سيطرة عم جولي على ممتلكاته، وبدأت التحقيقات في أسرار العائلة، وظهرت ملفات قديمة كانت مخفية لأكثر من عشرين سنة.
أما صوفيا، فاستعادت اسمها وحياتها، لكن أهم شيء بالنسبة لها كان أن تستعيد ابنتها.
وجولي؟
لم تعد مجرد فتاة توصل البيتزا في آخر الليل.
فتحت مطعمها الخاص، واختارت أن تسميه:
“نجمة صوفيا.”
أما آدم، فكان أول زبون يدخل المطعم في يوم الافتتاح.
جلس أمامها وقال:
— عندك بيتزا؟
ابتسمت.
— عندي.
— والتوصيل؟
ضحكت.
— لأ.
اقترب منها.
— ليه؟
— عشان المرة دي…
وضعت يدها في يده.
— إنت اللي هتفضل هنا.
وبعد عام، وسط مطعمها المزدحم، وتحت نفس النجمة الفضية التي كانت سببًا في كشف أسرار عائلتها، وقف آدم أمامها.
أخرج خاتمًا صغيرًا.
وقال:
— جولي… أنا دخلت حياتك بسبب قلادة.
ابتسمت والدموع في عينيها.
— وأنا دخلت حياتك بسبب بيتزا.
ضحك.
— تحبي تكمليها معايا؟
نظرت إلى أمها التي كانت تبتسم من بعيد.
ثم عادت تنظر إليه.
— لو وعدتني بحاجة واحدة.
— إيه؟
— ما تطلبش بيتزا من أي بنت غيري.
ابتسم آدم.
— أنا من يوم ما قابلتك، بطلت أحب البيتزا أصلًا.
ضحكت.
ثم قالت:
— موافقة.
وفي تلك الليلة، فهمت جولي أخيرًا أن بعض الأبواب التي تُفتح بالصدفة…
تخفي خلفها حياة كاملة لم تكن تعرف أنها تنتظرها.
وأن القلادة التي ظنت يومًا أنها مجرد آخر شيء تركته لها أمها…
كانت في الحقيقة المفتاح الذي أعاد إليها أمها، وكشف ماضي عائلتها، وقادها إلى الرجل الذي أصبح مستقبلها.
قلادة أمي كشفت سر عيلتي
حكايات شروق خالد




