
صورة أبويا.
لكن المرة دي، كان واقف مع مجموعة رجال.
وأحدهم كان سليم.
شاب صغير.
وعلى الطاولة قدامهم ملف أسود.
جلال قال:
— أبوكي ما كانش مجرد شاهد.
بصيت لسليم.
— قال لي إن أبويا كان شريكه.
جلال ضحك.
— قال لك نص الحقيقة.
سليم قال بحدة:
— اخرس.
جلال رد:
— ليه؟ خايف تعرف؟
بصيت لسليم.
— تعرف إيه؟
سكت.
قلت:
— سليم، اتكلم.
كان واضح إنه بيحارب مع نفسه.
وبعدين قال:
— أبوكي كان ماسك حسابات المجموعة.
— وبعدين؟
— قبل موته بأسبوع، اختفى مبلغ كبير.
قلبي دق.
— كام؟
جلال قال:
— سبعة عشر مليون دولار.
بصيت له.
— أبويا سرقهم؟
— لأ.
سليم قالها بسرعة.
— أبوكي ما سرقش حاجة.
جلال ابتسم.
— بس كل الأدلة كانت ضده.
سليم بص له.
— لأنك زورتها.
اتجمدت.
جلال ما أنكرش.
بل قال:
— كنت بنفذ أوامر.
— أوامر مين؟
جلال سكت.
سليم قرب منه.
— قول اسمها.
جلال ابتسم ابتسامة باردة.
— مش هقدر.
— هتقدر.
— حتى لو قتلتني؟
سليم ما ردش.
جلال بص لي.
— لأن الشخص اللي ورا كل ده مش رجل.
سكت.
ثم قال:
— دي ست.
أنا وسليم بصينا لبعض.
— مين؟
جلال قال:
— مراته.
صوتي خرج ضعيفًا:
— مرات مين؟
جلال بص لسليم.
— مرات أبوك.
تجمد سليم.
— أمي؟
جلال هز رأسه.
— أيوه.
سليم رجع خطوة.
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
قلت:
— بس إزاي؟
جلال قال:
— لأنها الوحيدة اللي كانت تعرف إن أبوكي مخبي الدليل الأخير.
سألته:
— فين الدليل؟
ابتسم.
— معاكي.
حسيت بقلبي وقف.
— إيه؟
جلال أشار للأرنب اللي في إيدي.
— افتحي بطن الدمية.
بصيت للأرنب.
— إنت بتقول إيه؟
— أبوكي خبّى مفتاح الحقيقة جوا لعبة ابنته.
بصيت لسليم.
هو كان شاحب.
قال:
— جنى، متعمليش أي حاجة.
لكنني كنت بدأت أفهم.
البيانو.
الزهور.
الهدايا.
كتب هنا.
كل حاجة.
سليم ما كانش بيحاول يشتري اهتمامي.
كان بيدور على الدليل.
والدليل كان مع بنتي طول الوقت.
رفعت الأرنب.
وفجأة، سمعنا صوت طفلة من آخر المخزن:
— ماما؟
صرخت:
— هنا!
جريت ناحية الصوت.
لكن سليم مسكني قبل ما أدخل الممر.
— استني!
سمعنا صوت باب بيتقفل.
وبعدين صوت عربية بتتحرك خارج المخزن.
سليم اندفع ناحية الباب.
وأنا وراه.
خرجنا.
لكن العربية كانت اختفت.
وقفت وأنا منهارة.
— هنا!
سليم كان واقف جنب الباب، ماسك قطعة قماش صغيرة وقعت على الأرض.
رفعها.
بص لها.
وبعدين بص لي.
— دي مش بتاعت جلال.
— بتاعة مين؟
ما ردش.
رفع القطعة لنورهاتفه.
وكان عليها عطر نسائي قوي.
سليم قال بصوت خافت:
— أمي.
اتجمدت.
وفي نفس اللحظة، تليفونه رن.
بص للشاشة.
رقم مجهول.
رد.
صوت امرأة جاء من الطرف الآخر:
— مساء الخير يا سليم.
سليم لم يتحرك.
المرأة ضحكت.
— وحشتني يا ابني.
وبعدين قالت:
— لو عايز بنت جنى ترجع، تعالى لوحدك.
سليم شد قبضته.
— هتدفعي التمن.
ضحكت.
— لأ يا سليم.
صوتها صار أبرد.
— إنت اللي هتدفع التمن.
وقبل ما تقفل، قالت:
— وخد معاك جنى.
ثم انقطع الاتصال.
بصيت لسليم.
— هي عايزاني أنا.
هز رأسه.
— أيوه.
— ليه؟
سليم قرب مني.
وقال الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي:
— لأنها مش عايزة الدليل.
سكت.
— هي عايزاكي إنتِ.
— أنا؟
— أيوه.
— ليه؟
نظر إلى الأرنب في إيدي.
— لأن أبوكي قبل ما يموت، كتب اسم الشخص الوحيد اللي يقدر يفضحها.
سكت لحظة.
ثم قال:
— اسمك كان في الورقة.
وفي اللحظة دي، فهمت إن اختطاف هنا ما كانش الهدف.
أنا كنت الهدف الحقيقي من البداية.
ما صدقتش سليم في الأول.
مش لأنه كدب عليّ قبل كده.
لكن لأن عقلي ببساطة رفض يستوعب إن كل اللي حصل خلال الأسابيع اللي فاتت كان متخطط له من زمان.
بصيت للأرنب اللي في إيدي.
— إزاي نرجع هنا؟
سليم قرب مني وقال:
— هنرجعها.
— من غير ما تموت؟
— من غير ما تخاف حتى.
كان واثق.
لكن المرة دي، أنا اللي مسكت إيده.
— طيب نعملها سوا.
بص لي لحظة، وبعدين هز رأسه.
المكان اللي حددته أمه كان بيت قديم لعائلة المنصوري على أطراف المدينة.
وصلنا قبل الموعد بعشر دقائق.
سليم دخل من الباب الأمامي، وأنا وراه.
في الصالة الكبيرة، كانت والدة سليم واقفة.
امرأة أنيقة، هادئة، وشعرها أبيض مرتب بعناية.
وهنا كانت قاعدة على كرسي قريب منها، ماسكة أرنبها القماشي.
أول ما شافتني، جريت عليّ.
حضنتها بقوة.
— ماما!
دفنت وشي في شعرها.
— يا حبيبتي…
كنت ببكي وبضحك في نفس الوقت.
لكن سليم كان واقف مكانه، وعينه على أمه.
— خلصي اللعبة دي يا أمي.
ابتسمت.
— لسه زي ما أنت. مستعجل.
جلال ظهر من خلفها.
لكن قبل ما يتكلم، دخل رجال الشرطة من الباب الخلفي.
جلال اتجمد.
والدة سليم بصت لابنها.
— إنت عملت إيه؟
سليم رد بهدوء:
— الحقيقة.
طلع جهاز تسجيل صغير من جيبه.
— كل حاجة اتسجلت.
اتغير لون وشها.
— مستحيل.
— اعتراف جلال، مكالمتك، وكل تحويلات الفلوس اللي اتدفعت له.
جلال حاول يهرب.
لكن الشرطة قبضت عليه.
والدة سليم فضلت واقفة مكانها.
ثم بصت لي.
— أبوكي كان غبي.
سليم اندفع ناحيةها، لكنني مسكته.
قلت:
— سيبها تتكلم.
ضحكت.
— أبوكي اكتشف الحسابات، وكان فاكر إنه يقدر يهددني بالحقيقة.
— وإنتِ قتلتيه؟
سألتها.
سكتت.
ثم قالت:
— أنا ما قتلتوش بإيدي.
سليم قال:
— لكنك أمرتي.
سكتت.
وده كان كفاية.
بعدها بأيام، اتكشفت كل حاجة.
الـ17 مليون دولار ما كانوش مسروقين.
أبويا كان حوّلهم لحساب أمان قبل ما يموت، عشان يمنع استخدامها في غسيل الأموال.
والمفتاح الحقيقي كان مخبّي في الأرنب اللي ورثته هنا عن جدتها.
لكن أبويا ما كانش عارف إن أخطر شخص في العيلة هي اللي هتدور عليه.
الشرطة رجعت الفلوس.
وتم توجيه اتهامات لعدد كبير من أفراد الشبكة.
أما والدة سليم، فتم القبض عليها بتهم التآمر والقتل وغسيل الأموال.
وبعد شهور، انتهت القضية.
لكن حياتي أنا ما رجعتش زي الأول.
أنا رجعت لكريستوود.
جلال اختفى من حياتي.
والترابيزة رقم 9 فضلت فاضية فترة طويلة.
وفي يوم، دخل سليم المطعم.
مش ببدلة غالية.
كان لابس قميص أبيض بسيط وجاكيت أسود.
قعد على الترابيزة.
قربت منه.
— تحب تشرب إيه؟
بص لي وابتسم.
— مية.
ضحكت.
— ولسه الطبق المميز؟
— لو إنتِ اللي هتوصفيه، آه.
حطيت الكوباية قدامه.
— البقشيش المرة دي كام؟
مد إيده وحط دولار واحد.
رفعت حاجبي.
— دولار؟
قال:
— عايز أبدأ من الصفر.
بصيت له.
— سليم المنصوري يبدأ من الصفر؟
— معاكِ، آه.
سكت.
ثم قال:
— جنى، أنا عارف إن أول حاجة عملتها معاكِ كانت غلط.
— الزهور؟
— والبيانو.
ضحكت.
— والكتب.
— وكل حاجة.
بص لي مباشرة.
— كنت بحاول أحميكي من غير ما أسألك إذا كنتِ عايزة الحماية.
سكت لحظة.
— المرة دي هسألك.
قلبي دق.
— تسألني إيه؟
مد إيده فوق الترابيزة.
— تسمحيلي أكون في حياتك؟
بصيت لإيده.
وبعدين حطيت إيدي فيها.
— بشرط.
— إيه؟
— مفيش هدايا.
ابتسم.
— موافق.
— ومفيش حراس عند المدرسة من غير ما أعرف.
— موافق.
— ومفيش قرارات تخصني من ورايا.
— موافق.
ابتسمت.
— ومفيش بيانو تاني.
ضحك للمرة الأولى بصوت حقيقي.
— دي أصعب واحدة.
ضحكت أنا كمان.
ومن بعيد، كانت هنا قاعدة بتلوّن في كراسة الرسم.
رفعت راسها وبصت لنا.
وبعدين ابتسمت.
بعد سنة، اتجوزنا.
من غير صحافة.
من غير رجال أعمال.
من غير حفلات ضخمة.
مجرد مكان صغير، ناس قليلة، وهنا وهي ماسكة إيدي وأنا داخلة.
وفي آخر الحفل، سليم قرب مني وقال:
— فاكرة أول مرة شوفتك؟
ابتسمت.
— لما كنت زبون متكبر وقعدت تراقبني طول الليل؟
— كنت بحاول أفهمك.
— وفهمت؟
بص لي.
— لأ.
ضحكت.
— أمال؟
شد إيدي.
— كل يوم بفهمك أكتر.
بصيت لهنا.
وبعدين له.
وفهمت أخيرًا إن بعض الناس بيدخلوا حياتنا كعاصفة.
يخوفونا.
يلخبطونا.
ويخلونا نشك في كل حاجة عرفناها عن نفسنا.
لكن أحيانًا…
العاصفة نفسها بتكون الطريق اللي يخرجنا من المكان اللي كنا محبوسين فيه.
أنا كنت جنى مراد.
أم عزباء، نادلة بتجري ورا الفواتير، وخايفة على مستقبل بنتها.
وهو كان سليم المنصوري.
الملياردير اللي الناس كلها كانت بتخاف منه.
لكن في النهاية، هو ما بقاش الراجل اللي وقف بيني وبين الباب.
بقى الراجل اللي وقف جنبي…
وخلاني أقدر أفتحه بنفسي.
تمت.
الملياردير وقف بينها وبين الباب
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




