
“لو كنت عايز أوجعك، ما كنتش وريتك الحقيقة.”
شدّيت إيدي منه.
“مين قتلها؟”
ياسين بص في عيني.
ولأول مرة، شفت حاجة شبه الندم في وشه.
“أبوك.”
اتراجعت خطوة.
“لا…”
“حمدي كان مدين لأبويا وقتها. أمك اكتشفت إنه كان بيستخدم اسمها في عمليات تحويل فلوس وغسيل أموال.”
هزيت راسي بعنف.
“أبويا كان بيضربها… آه. كان بيشتمها… آه. بس يقتلها؟ مستحيل.”
ياسين فتح درج المكتب وطلع ظرف بني قديم.
رماه قدامي.
“افتحيه.”
فتحت الظرف.
جوا كان فيه تسجيل صوتي على جهاز صغير، وصورة تانية لأمي، وفي إيدها ورقة.
ضغطت الزر.
خرج صوتها.
صوت أمي.
الصوت اللي ما سمعتهوش من سنين.
“لو التسجيل ده وصل لمريم، يبقى أنا غالبًا مش موجودة.”
شهقت.
ركبي ضعفت.
“مريم… مهما حصل، أوعى تثقي في أبوكي.”
الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس.
“الشخص الوحيد اللي حاول يحميني كان راجل من عيلة الدمنهوري… اسمه فؤاد.”
رفعت عيني لياسين.
فؤاد؟
اسم أبوه.
استمر التسجيل:
“لو حصل لي حاجة، خلي مريم تعرف إن اللي حصل مش حادثة… وإن حمدي هو اللي بدأ كل حاجة.”
التسجيل وقف.
ما قدرتش أتكلم.
ياسين فضل ساكت.
وبعد ثواني قلت:
“ليه جبتني هنا؟”
رد من غير تردد:
“لأن أبوكي ما دفعش دينه.”
بصيت له.
“أمال دفع إيه؟”
قال:
“حياتك.”
سكت.
ثم أضاف:
“وهو ما يعرفش إنك لسه عايشة.”
قلبي وقف لحظة.
“يعني إيه؟”
ياسين مد إيده لورقة أخيرة.
“الراجل اللي قتل أمك فاكر إنه خلص من آخر شاهد.”
بصيت للورقة.
كان عليها اسمي.
وتحته جملة واحدة:
مريم عبد الجواد — يجب التخلص منها قبل أن تتذكر.
رفعت عيني ببطء.
“أنا… شاهدة على إيه؟”
ياسين قرب مني، وصوته بقى أوطى.
“مش إنتِ اللي فاكرة.”
تجمدت.
“إنتِ شوفتي اللي حصل وإنتِ طفلة.”
شهقت.
وفجأة، وسط صدمة الكلام، لمعت في دماغي صورة قديمة.
باب بيت بيتفتح.
أمي بتصرخ.
أبويا ماسك إيدي.
وصوت راجل بيقول:
“خد البنت واهرب بيها.”
حطيت إيدي على رأسي.
“لا…”
ياسين مسكني قبل ما أقع.
“مريم.”
بصيت له، وأنا ببكي.
“أنا فاكرة…”
سكت.
“أنا فاكرة الراجل اللي كان واقف جنب أمي.”
ياسين اتغيرت ملامحه.
“مين؟”
بصيت له وأنا بقول الاسم بصوت مكسور:
“كان أبوك.”
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف.
دخل واحد من الحراس وهو بيقول:
“يا ياسين بيه… في مشكلة.”
ياسين لف له.
“إيه؟”
الحارس بلع ريقه.
“رجالة حمدي عبد الجواد دخلوا أرض القصر.”
ياسين سكت.
وبعدين بصلي.
لكن المرة دي، عينيه ماكانتش باردة.
كانت مليانة غضب.
وقال:
“أبوك عرف إنك هنا.”
وبعيد عن القصر، وسط ضلمة الليل، كانت عربية سوداء بتقف قدام البوابة.
والراجل اللي نزل منها رفع عينه ناحية الشرفات، وابتسم.
كان حمدي عبد الجواد.
وفي إيده صورة قديمة لمريم وهي طفلة.
وقال:
“المرة دي… مش هسيبها تهرب.”
حكايات شروق خالد
بعد كل اللي حصل، اتكشفت الحقيقة كاملة.
ياسين الدمنهوري عرف إن اللي حصل في عيد الميلاد ماكانش محاولة قتل عادية، وإن الرصاص كان موجه لبنته ليلى بسبب خيانة واحد من أقرب رجاله. لكن المفاجأة الأكبر كانت إن البنت اللي وقفت قدام الرصاص وأنقذت ليلى، ماكانتش مجرد ضحية.
كانت هي المفتاح اللي كشف له الخيانة كلها.
فضل ياسين واقف جنب سريرها في المستشفى، ولأول مرة في حياته ماكانش عارف يعمل إيه غير إنه يستنى.
ولما فتحت عينيها، لقت إيده ماسكة إيدها.
قال بصوت مبحوح:
“أنا خسرت ناس كتير بسبب حياتي دي… بس المرة دي كنت هخسرك إنتِ.”
بصت له وسكتت.
كمل:
“لو خرجتي من هنا، أنا هسيب كل ده ورايا. مش عشان أنا اتغيرت… عشان إنتِ خليتيني أفهم إن في حاجات تستاهل أعيش عشانها.”
ابتسمت رغم دموعها وقالت:
“وأنا مش عايزة أشوفك ترجع للشخص اللي كان قبل الليلة دي.”
وعدها إنه مش هيرجع.
وبعد شهور، اختفى اسم ياسين الدمنهوري من عالم الجريمة، واتقفلت الإمبراطورية اللي بناها سنين. أما الرجل اللي كان الجميع بيخاف منه، فبقى أبًا بيصحى كل يوم على صوت ضحكة بنته، ورجلًا بيحاول يبدأ حياته من جديد.
أما هي، ففضلت الندبة اللي في جسمها شاهدة على الليلة اللي غيرت حياتهم.
وفي كل عيد ميلاد لليلى، كانت أول شمعة تتولع وسط صمت قصير.
ياسين كان بيبص لها، وبعدين يبص للبنت اللي أنقذت ابنته، ويبتسم.
لأن الرصاصة الأولى كانت طفت شموع عيد الميلاد…
لكن الرصاصة الأخيرة كانت أنهت حياة كاملة من الخوف، وفتحت لهم بداية جديدة.
ومن يومها، ماحدش في القاهرة حكى القصة بنفس الطريقة.
لأن الحقيقة كانت أبسط وأقسى:
في ليلة واحدة، بنت اختارت تنقذ طفلة…
ورجل خطير اختار، لأول مرة، ينقذ نفسه من الحياة اللي كان عايشها.
الرصاصة اللي غيّرت قلب أخطر رجل مافيا في القاهرة
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




