
الساعة كانت 12 إلا 11 دقيقة بعد نص الليل، لما كباية النبيذ اتقلبت على الحرير، ولحد ما السائل وقف عن الانتشار، كان أهم فستان فرح في مصر كلها تقريبا باظ واتمرمط على أرض أوضة القياس. مريم السولية كانت قاعدة على ركبها فوق الفستان، ماسكة حتة قماش وبتحاول تمسح البقعة، بس البقعة كانت عاملة زي المصيبة… كل ما تمسحها تنتشر أكتر. وراها كانت كاميليا بتزعق بأعلى صوتها:
“يا نهار إسود! إنتي عملتي إيه؟! إنتي عارفة ده فستان مين؟!”
مريم رفعت عينيها بخوف:
“والله يا مدام كاميليا أنا ما عملتش حاجة… الكوباية وقعت لوحدها.”
“وقعت لوحدها؟! هو إحنا في خرابة؟!”
وقبل ما مريم تلحق ترد، دخلت الحاجة زينب. الست اللي بقالها أربعين سنة ماسكة مفاتيح البيت الكبير، وعارفة كل سر مستخبي ورا كل باب. وقفت قدام الفستان، وبصت للبقعة ثواني طويلة. وبعدين قالت بمنتهى الهدوء:
“هاتولي الفستان الحقيقي.”
المكان كله سكت. مريم بصتلها ومفهمتش:
“فستان إيه يا حاجة؟”
الحاجة زينب ما ردتش. بس مدت إيدها ناحية جيب جلابيتها وطلعت مفتاح قديم تقيل. مريم أول ما شافته، وشها اتغير. المفتاح ده عمرها ما شافته قبل كده. الحاجة زينب بصت لها في عينيها وقالت:
“إنتي… هتلبسيه.”
مريم شهقت:
“أنا؟!”
“أيوه إنتي.”
“بس أنا مسؤولة التنظيم يا حاجة!”
الحاجة زينب قربت منها وقالت بصوت واطي:
“وعشان كده بالذات.”
في اللحظة دي مريم حسّت إن جسمها كله تلج. الفستان الحقيقي كان موجود في القصر. ورا إزاز. مقفول عليه من سنين. والناس كلها كانت بتتكلم عنه. فستان رفض عشرين عروسة. عشرين بنت دخلوا بيت عيلة المنشاوي عشان يتجوزوا كبيرهم… ولا واحدة قدرت تلبسه. ولا واحدة الفستان ظبط عليها. ولا واحدة خرجت من البيت وهي عروسة.
وكانوا بيقولوا إن الفستان ده مش بيلبس أي واحدة. الفستان هو اللي بيختار. القصر الكبير بتاع عيلة المنشاوي كان واقف في القاهرة، وسط منطقة هادئة وراقية. بيت ضخم، بوابات فخمة، حراسة أمنية منظمة، وعربيات سودا فاخرة داخلة طالعة. وكل اللي في السوق عارفين اسم صاحب البيت: “فارس المنشاوي.”
رجل أعمال غامض، وبارد، وناجح. راجل محدش بيهزر في شغله، ولا حد يقدر يتحدى قراراته. فارس كان كبير عائلة قوية ونافذة تسيطر على كبرى شركات الاستثمار والعقارات في مصر. لكن كان فيه حاجة واحدة محدش قدر يفهمها: ليه فارس المنشاوي، اللي أي بنت من كبرى العائلات كانت تتمنى تجوزه لتوحيد المصالح الاقتصادية، رفض عشرين عروسة؟
كل مرة كانوا يجيبوا له بنت من عيلة كبيرة أو شريكة في السوق. بنت جميلة، متعلمة، وغنية. وكل مرة… كان يششوفها وهي لابسة الفستان. يسكت شوية. وبعدين يقول كلمة واحدة: “لا.”
بس. من غير تفسير. من غير نقاش. وعشان كده، بقى فستان العيلة أسطورة تُروى في مجتمعات رجال الأعمال. كانوا بيسموه: “فستان الست الكبيرة.”
لأنه كان بتاع جدة فارس، الحاجة فاطمة المنشاوي. ست ماتت من أربعين سنة. وكانت أول واحدة لبست الفستان ده. وكان جسمها مختلف عن كل الستات اللي حاولوا يلبسوه بعدها. كتافها عريضة، جسمها ممتلئ، وسطها مضبوط، والفستان كان معمول عليها بالطبط.
وكانوا بيقولوا إن اللي هتلبسه من غير ما يتعدل فيه خيط واحد… تبقى هي شريكة حياة كبير العيلة الحقيقية. لكن لو الفستان وسّع، أو ضيق، أو طرفه جر على الأرض، أو الخياطة اتشدت… يبقى معناها إن البنت مش هي اللي اختارها البيت. وده كان قانون قديم التزمت به العائلة. العروسة لازم تلبس الفستان من غير تعديل. من غير دبوس. من غير خيط. من غير أي تغيير. ولو الفستان ما نفعش عليها… صفقات التحالف والجوازة كلها كانت بتخلص.
وعشان كده عشرين عروسة خرجوا من البيت من غير جواز. واحدة منهم كانت ابنة مستثمر عربي كبير، ووحدة ابنة رئيس مجلس إدارة بنك شهير. بس الفستان قال لأ. وفي آخر أربعين سنة، محدش فكر حتى يسأل ليه. لحد الليلة دي. لحد ما الفستان التاني اتبهدل. ولحد ما الحاجة زينب طلعت المفتاح.
مريم كانت واقفة قدامها وبتترعش:
“يا حاجة زينب، أنا مش فاهمة حاجة.”
الحاجة زينب قالت:
“مش لازم تفهمي.”
“طب وأنا هعمل إيه؟”
“هتلبيسي الفستان.”
“بس ده بتاع العروسة!”
“بالظبط.”
مريم بلعت ريقها:
“بس أنا مش عروسة!”
الحاجة زينب بصت لها نظرة غريبة وقالت:
“لسه.”
مريم قلبها وقع في رجليها:
“لسه إيه؟”
لكن الحاجة زينب ما ردتش. لفت ناحية الباب وقالت:
“تعالي ورايا.”
ومريم مشت وراها وهي مش عارفة إنها في اللحظة دي… كانت داخلة على سر هيغير حياتها كلها. سر يخلي أخطر رجل أعمال في مصر… يبص لأول مرة في حياته لواحدة محدش كان شايفها أصلًا. والأغرب من كده كله… إن مريم كانت هتلبس الفستان اللي عشرين عروسة فشلوا يلبسوه. بس محدش كان يعرف إن الفستان… كان معمول من البداية عشانها هي.




