
سليم فضل باصص للصورة، وإيده كانت بتترعش لأول مرة من ساعة ما فاق من الحادث.
مريم قربت منه.
«سليم بيه… إنت متأكد إن ده والدك؟»
«مستحيل أنساه.»
رفع الصورة قدام عينه.
«أبويا مات في حادث عربية سنة 2019. أنا كنت موجود يومها.»
«بس إنت قلت إنه مات من سبع سنين.»
«أيوه.»
سكت لحظة.
«بس الصورة دي اتاخدت بعد موته بسنتين.»
مريم شهقت.
«إزاي؟»
سليم قلب الصورة.
كان مكتوب خلفها بخط يد واضح:
«مين قال لك إن والدك مات؟»
الصمت ملأ الغرفة.
سليم مد إيده للموبايل واتصل برقم قديم.
«ألو؟»
جاءه صوت رجل مسن:
«مين؟»
«عم جابر… أنا سليم.»
ساد الصمت لثواني.
«سليم؟»
«فاكر ليلة موت أبويا؟»
الرجل تنهد.
«فاكر.»
«كنت موجود؟»
«كنت.»
«قول لي الحقيقة.»
«يا ابني… الحقيقة دي لو خرجت، ناس كتير هتموت.»
سليم قبض إيده.
«أنا أصلاً كنت ميت بالنسبة لهم. اتشلّيت، وخطيبتي بتجهز تاخد كل حاجة، واللي حواليا بيكذبوا عليّ. إيه أسوأ من كده؟»
عم جابر سكت.
ثم قال:
«أبوك ما ماتش في حادث.»
سليم اتجمد.
مريم حطت إيدها على بقها.
«اتقتل.»
«مين؟»
«أنا ما شفتش القاتل… لكن شفت مين كان معاه قبلها.»
سليم قرب الموبايل من ودنه.
«مين؟»
جاء صوت عم جابر:
«محمود.»
المكالمة انتهت.
سليم فضل ساكت.
مريم قالت بهدوء:
«دلوقتي فهمت ليه الرسالة قالت اسأل خطيبتك.»
سليم ما ردش.
كان بيحاول يجمع السنين كلها في دماغه.
محمود كان أقرب شخص له.
الراجل اللي كان بينقذه من الخطر.
الراجل اللي وقف جنبه يوم موت أبوه.
والراجل نفسه كان آخر واحد معاه قبل حادث إطلاق النار.
وفجأة سليم افتكر حاجة.
ليلة الحادث…
قبل ما الرصاصة تضربه بدقائق، كان محمود واقف جنبه.
وقال له:
«ثق فيا يا سليم.»
سليم ضرب بقبضته على ذراع الكرسي.
«الخائن كان واقف جنبي طول الوقت.»
مريم قالت:
«ما تروحش تواجهه.»
بصلها.
«ليه؟»
«لأنك لسه مش عارف هو لوحده ولا وراه ناس.»
«أنا مش خايف.»
«وأنا مش بقول لك خاف.»
اقتربت منه.
«بقول لك فكر.»
سليم سكت.
مريم كملت:
«لو محمود هو اللي حاول يقتلك، يبقى كان مستفيد من إنك تفضل عاجز. ولو عرف إنك بدأت تتحرك، ممكن يحاول يخلص عليك.»
سليم بص لها طويلًا.
«إنتِ بتفكري أسرع من ناس كتير شغالة معايا.»
«عشان أنا مش باخد فلوس عشان أقول لك اللي تحب تسمعه.»
ابتسم رغم توتره.
«عشان كده أنا محتاجك.»
مريم قلبها دق أسرع، لكنها تجاهلت الإحساس.
«محتاجني في إيه؟»
«أكون واثق إن فيه حد واحد على الأقل حواليا مش بيكدب.»
مريم بصت له.
«أنا مش هكدب عليك.»
«حتى لو الحقيقة هتوجعني؟»
«خصوصًا لو هتوجعك.»
قبل ما يرد، سمعوا صوت مفتاح الباب.
مريم اتوترت.
سليم همس:
«محدش يعرف إنك كنتِ هنا.»
«ليه؟»
«ادخلي الحمام.»
«سليم…»
«دلوقتي.»
دخلت مريم الحمام وقفلَت الباب.
بعد ثواني، دخل محمود.
«إزيك يا سليم؟»
«كويس.»
محمود قرب.
«سمعت إنك تعبت النهارده.»
«مين قال لك؟»
«نادين.»
سليم ابتسم.
«نادين بتعرف كل حاجة بسرعة.»
محمود ما فهمش المغزى.
«هي بس قلقانة عليك.»
«قلقانة؟»
«طبعًا.»
سليم بص له.
«محمود… فاكر آخر مرة شوفت فيها أبويا؟»
ملامح محمود تغيرت.
لكن لثانية واحدة فقط.
«أبوك؟»
«أيوه.»
«ليه بتسأل؟»
«وحشني.»
محمود ابتسم ابتسامة مصطنعة.
«ربنا يرحمه.»
سليم ثبت عينه عليه.
«آمين.»
سكتوا.
ثم قال سليم:
«اخرج.»
محمود بص له باستغراب.
«ليه؟»
«عايز أنام.»
خرج محمود.
وبمجرد ما الباب اتقفل، خرجت مريم من الحمام.
«وشه اتغير.»
سليم قال:
«شافتي؟»
«أيوه.»
«إذن الرسالة كانت صح.»
في نفس اللحظة، سمعوا صوت رسالة وصلت لموبايل سليم.
فتحها.
صورة جديدة.
مريم ظهرت فيها وهي داخلة قصر سليم أول يوم اشتغلت فيه.
وتحت الصورة رسالة:
«خلي بالك من الخدامة. هي مش صدفة.»
مريم قربت من الهاتف.
وشها اصفر.
«إيه؟»
سليم رفع عينه لها.
«حد بعت صورتك.»
«أنا؟»
«أيوه.»
«مين عنده الصور دي؟»
سليم ما ردش.
لكن بعد لحظة قال:
«واضح إنهم مش بس بيراقبوني.»
«أمال؟»
«بيراقبوكي إنتِ كمان.»
مريم رجعت خطوة.
«أنا مالي بكل ده؟»
سليم حدق فيها.
«دي الحاجة الوحيدة اللي مش فاهمها.»
وبينما الاتنين ساكتين، رن هاتف مريم.
نظرت للشاشة.
كان رقم مجهول.
ردت.
ما حدش اتكلم.
فجأة جاء صوت رجل منخفض:
«مريم… لو سليم لسه عايش، يبقى إنتِ السبب.»
مريم تجمدت.
«مين؟»
«ولو عايزة أختك ليلى تعيش… ابعدي عنه.»
وانقطع الخط.
مريم سقط الموبايل من إيدها.
سليم قرب منها قدر ما استطاع.
«مريم؟»
لكنها ما ردتش.
كانت عينيها مليانة خوف.
لأن الرجل ما كانش بيهددها هي.
كان بيهدد أختها.
وكان يعرف اسمها.
ويعرف مكانها.
ويعرف بالضبط إيه أكتر حاجة ممكن تكسر مريم.
حكايات شروق خالد
مريم فضلت واقفة مكانها، وشها شاحب، وإيدها بتترعش.
سليم لاحظ ده فورًا.
«مين اللي كلمك؟»
مريم ما ردتش.
«مريم.»
«أختي.»
«مالها؟»
«قالوا لي أبعد عنك… وإلا ليلى هتتأذى.»
سليم سكت لحظة، وبعدين قال:
«مين قال لك؟»
«رقم مجهول.»
«قال اسمها؟»
«أيوه.»
سليم مد إيده.
«الموبايل.»
ناولته مريم الهاتف.
سليم بص للرقم، وبعدين قال:
«ما تمسحيش أي حاجة.»
«هتعمل إيه؟»
«هعرف مين ورا الرقم.»
مريم هزت رأسها.
«لا.»
«لا إيه؟»
«ما تدخلش أختي في الموضوع.»
«أختك دخلت غصب عننا.»
«عشان كده أنا هبعد.»
سليم رفع عينه لها.
«إنتِ فاكرة إنهم هيوقفوا لو مشيتي؟»
مريم سكتت.
«لو كانوا عايزين يخوفوكي بس، كانوا هددوكي إنتِ. إنما لما يجيبوا سيرة ليلى، يبقى عندهم وصول ليها.»
مريم بدأت تبكي.
«أنا ما ليش دعوة بعالمك.»
سليم قال بهدوء:
«وأنا عارف.»
«أنا اشتغلت هنا عشان أجيب فلوس لعملية أختي، مش عشان أدخل في حرب.»
«وأنا ما طلبتش منك تحاربي.»
«أمال؟»
«خليكي جنبي.»
ضحكت من وسط دموعها.
«ده أخطر مكان ممكن أكون فيه.»
«عارف.»
«ومع ذلك بتطلب مني أفضل؟»
«لأنك الوحيدة اللي أثق فيها.»
مريم بصت له، وسكتت.
ثم قالت:
«لو فضلت… هتأمن ليلى؟»
«هحط عليها حراسة من غير ما تعرف.»
«وإنت؟»
«أنا هعرف مين بيهددها.»
في اليوم التالي، مريم راحت المستشفى بدري.
لكن أول ما دخلت أوضة ليلى، اتصدمت.
السرير كان فاضي.
«فين أختي؟»
الممرضة بصت لها باستغراب.
«أختك خرجت.»
«خرجت إزاي؟»
«راجل جه دفع الحساب وقال إنه قريبكم.»
«مين؟»
الممرضة وصفت لها شكله.
طويل.
شعره أبيض عند الصدغين.
وعنده ندبة صغيرة تحت عينه.
مريم حسّت إن الدم انسحب من وشها.
ده نفس الدكتور سامح.
اتصلت بسليم فورًا.
«سليم!»
«حصل إيه؟»
«ليلى اختفت.»
الصمت على الطرف التاني كان مخيف.
«إنتِ متأكدة؟»
«الممرضة قالت إن الدكتور سامح خدها.»
سليم شد على الموبايل.
«ما تتحركيش من المستشفى.»
«هعمل إيه؟»
«هكون عندك.»
بعد عشرين دقيقة، وصلت ثلاث عربيات سوداء.
نزل منها رجال سليم، وبعدهم سليم نفسه.
كان جاي على كرسيه، لكن عينيه كانت مختلفة.
هادية بشكل مخيف.
دخل على الممرضة.
«فين سجلات خروج المريضة؟»
الممرضة ارتبكت.
«أنا…»
«فين؟»
ناولته الورق.
سليم قرأه.
اسم الدكتور سامح.
توقيع.
لكن التوقيع كان مزور.
«ده مش توقيعه.»
مريم قالت:
«إزاي عرفت؟»
«لأني قابلته قبل كده.»
سكت لحظة.
«الدكتور الحقيقي اسمه سامح فوزي.»
«وده؟»
«اسمه الحقيقي سامح البدري.»
مريم قربت.
«إنت تعرفه؟»
«أيوه.»
«مين هو؟»
سليم بص لها.
«كان مسؤول أمن عند أبويا.»
ثم فتح صورة قديمة على هاتفه.
ظهر فيها نفس الرجل.
واقف جنب والد سليم.
مريم همست:
«يبقى أبوك كان عارفه.»
«مش بس عارفه.»
سليم أشار إلى الصورة.
«كان بيثق فيه.»
مريم قالت:
«طيب ليه خطف ليلى؟»
سليم ما ردش.
لأن موبايله رن.
رقم مجهول.
فتح المكالمة.
صوت الرجل جاء هادئًا:
«مساء الخير يا سليم.»
سليم قال:
«رجع لي أخت مريم.»
ضحكة قصيرة.
«أنت لسه فاكر إنك تقدر تأمر؟»
«لو لمستها، هتندم.»
«إنت لسه مش فاهم.»
«فهمني.»
«أبوك ما ماتش عشان فلوس.»
سليم تجمد.
«إنت كنت معاه؟»
«كنت.»
«مين قتله؟»
الصوت سكت ثواني.
ثم قال:
«الست اللي ناوي تتجوزها.»
سليم أغلق عينيه.
نادين.
مرة تانية اسمها بيرجع.
لكن الرجل أكمل:
«نادين مش هي العقل المدبر.»
سليم فتح عينه.
«أمال مين؟»
«الشخص اللي بيمسك كل الخيوط من فوق.»
«مين؟»
«شخص إنت بتثق فيه.»
المكالمة انقطعت.
سليم ظل ساكتًا.
مريم قربت منه.
«قال لك إيه؟»
«إن نادين مش لوحدها.»
«ومين الشخص التاني؟»
سليم رفع عينه إليها.
«حد قريب مني جدًا.»
في اللحظة نفسها، دخل واحد من رجال سليم مسرعًا.
«يا سليم بيه… لقينا عربية الدكتور سامح.»
«فين؟»
«قدام مخزن قديم في الميناء.»
سليم قال:
«اتحركوا.»
الرجل بص للكرسي.
«بس يا بيه…»
سليم قاطعه:
«أنا هاجي.»
مريم وقفت قدامه.
«وأنا جاية معاك.»
«لا.»
«أختي هناك.»
«المكان خطر.»
«وأنا مش هسيبها.»
سليم حاول يرفض، لكنه شاف الإصرار في عينيها.
«خليكي ورايا.»
«مش هسيبك.»
خرجت الكلمات منها قبل ما تفكر.
سليم سكت.
وبعدين قال:
«تمام.»
بعد أقل من ساعة، وقفت العربيات قدام المخزن.
الليل كان ساكت بشكل مرعب.
مريم نزلت، وسليم كان جنبها.
لكن قبل ما يدخلوا، سمعوا صوت تصفيق من داخل المخزن.
«برافو يا سليم.»
الصوت كان مألوفًا جدًا.
أحد رجال سليم وجه سلاحه ناحية الباب.
وببطء ظهر محمود.
ابتسامة باردة على وشه.
مريم شهقت.
سليم قال:
«كنت عارف.»
محمود ضحك.
«لا… إنت كنت شاكك.»
«ليلى فين؟»
«عندها.»
«لو حصل لها حاجة…»
محمود قاطعه:.
«أمال مين؟»
محمود بص لمريم.
ثم قال:
«الشخص اللي بدأ كل ده من عشر سنين.»
وفجأة خرج صوت امرأة من خلفه:
«وأخيرًا وصلت يا سليم.»
مريم بصت للداخل.
ونادين ظهرت من .
لكنها لم تكن وحدها.
كانت ماسكة ملفًا قديمًا، وبجوارها رجل لم يتوقع سليم أبدًا أن يراه حيًا.
رجل يشبه والده بشكل مخيف.
سليم تجمد تمامًا.
الرجل قال:
«وحشتني يا ابني.»
وسقط الملف من يد نادين على الأرض.
لأن الحقيقة التي دفنوها لسنين…
كانت واقفة أمامهم على قدمين.
حكايات شروق خالد
الرجل اللي ظهر قدام سليم كان واقف بثبات، لكن عينيه كانت مليانة وجع.
سليم فضل يحدق فيه.
«إنت…»
الرجل قال:
«أيوه يا ابني.»
سليم هز راسه



