روايات وقصص

عقل وسط الشحوم:ج2 حكايات شروق خالد

وضجت الساحة بتصفيق حار وهتافات العمال الذين وجدوا في قصة الشاب المتدرب أملًا جديداً لكل مجتهد يؤمن بعمله بصمت وإخلاص.

#حكايات_شروق_خالد
#حصري

وعلى الرغم من انتهاء الأزمة الكبرى وتوقيع العقود الجديدة، كانت تلك الليلة مجرد بداية حقيقية لفصل جديد داخل مصانع الشريف.

في صباح اليوم التالي للحفل، وبينما كان العمال يباشرون أعمالهم كالمعتاد، دخل مالك إلى مكتبه الجديد –الذي تحول من زاوية صغيرة في قسم التعقيم إلى غرفة واسعة ومجهزة بأحدث شاشات المراقبة وأنظمة التشخيص الإلكترونية– ليجد على مكتبه ملفاً جلدياً أسود يحمل اسم “مشروع الجيل القادم”.

قبل أن يفتح الملف، دق الباب بخفة ودخل المهندس شريف، وابتسامة عريضة تعلو وجهه.

“صباح الخير يا باشمهندس مالك، أو المفروض نقول.. يا مدير المستقبل.”

وقف مالك احتراماً وقال بابتسامة متواضعة: “صباح النور يا باشمهندس شريف.. لسه بتعلم منكم.”

وضع شريف تقريراً ورقياً سميكاً على المكتب وتابع بجدية: “الوالد بيقرأ تقريرك الأخير عن كفاءة استهلاك الطاقة في خطوط التبريد، ومعجب جداً بالطريقة اللي قدرت بيها توفر 15% من استهلاك الكهرباء من غير ما تأثر على جودة التجميد. وعشان كده، عنده طلب ليك.”

جلس مالك وقال باهتمام: “تحت أمرك يا فندم، قول.”

“الوالد قرر يخصص ميزانية مفتوحة لإنشاء أول ‘مركز أبحاث وتطوير داخلي’ لمصانع الشريف، وعايزك أنت اللي تمسك إدارته بالكامل، وتختار معاك مجموعة من طلبة المعاهد الفنية والكليات التكنولوجية اللي زيك.. شباب عندهم الشغف والعين اللي بتشوف التفاصيل اللي بيغفل عنها الكبار.”

لمعتا عينا مالك بحماس شديد. لم يكن يتخيل في أجمح أحلامه، وهو الذي دخل المصنع كمتدرب نظافة قبل أسبوعين فقط، أنه سيصبح قائداً لمركز أبحاث وتطوير يحدد مستقبل واحدة من أكبر الشركات في مصر.

قال مالك بصوت يملؤه اليقين: “ده مش بس حلم، ده التزام.. أقسم بالله يا بشمهندس شريف، ما هعدي سنة إلا وهيكون عندنا خطوط إنتاج مصممة ومصنوعة بأيدي مصرية خالصة جوه المصنع ده.”

ربت شريف على كتفه بقوة وقال: “أنا عارف إنك قدها، والمصنع كله في ضهرك.”

وبالفعل، بدأ مالك في اختيار فريقه الجديد من شباب المعاهد الفنية المنسيين الذين طالما عانوا من تهميش شهادتهم المتوسطة، ليثبتوا جميعاً أن العقول المبدعة والضمير الحي هما العماد الحقيقي لأي نجاح، وتحولت قصة “متدرب الفطائر” إلى أسطورة حية يتناقلها كل مهندس وعامل في المنطقة الصناعية بالعبور، مذكرة الجميع بأن الفرصة الحقيقية لا تطلب، بل تصنع بالعمل الجاد والصمت المخلص.

#حكايات_شروق_خالد
#حصري

وفي قلب مصانع الشريف بالعبور، وبينما كانت أنوار خطوط الإنتاج الثلاثة تضيء بانتظام وثبات، صار اسم مالك داوود أيقونة لكل شاب يبدأ من القاع بعزيمة لا تلين.

لم تعد قصة “متدرب النظافة” مجرد حكاية تروى في استراحات العمال، بل تحولت إلى منهج عمل يدرس لكل مهندس وفني جديد يلتحق بالشركة: أن الشجاعة في مواجهة الحقيقة، والتدقيق في التفاصيل الصغيرة، والإخلاص الخالص للعمل، هي وحدها التي تبني الإمبراطوريات.

وهكذا، استمر مصنع الشريف ينمو ويتوسع، معلناً أن العقول المضيئة قادرة دائماً على صناعة المعجزة، حتى وإن بدت الآلات معطلة والظلام يحيط بالمكان من كل جانب.

#حكايات_شروق_خالد
#حصري

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى