روايات وقصص

ملكة المطبخ ج2 حكايات_شروق_خالد

الساعة كانت لسه مهداش، والجو بره كان بيمطر بغزارة كأن السما عاوزه تغسل كل حاجة، بس جوه المطبخ السكون كان ليه طعم تاني.. طعم حذر ولخبطة وكمان لهفة مستخبية.

فتون نزلت بصرها في الأرض وقالت بصوت متبلع: “حاضر.. يا فندم.”

فارس حس بغمزة في قلبه لما سمع كلمة “فندم” دي، بس مكملش كلام. سابها وخرج من المطبخ بخطوات واسعة، سايب وراه ريحة البرفان بتاعه اللي مالية المكان ومخلية الهواء تقيل حواليها.

تاني يوم، الشغل مشي برتم مختلف. فتون بقت حاسة إن عيون فارس عليها في كل حتة بتتحرك فيها. لو دخلت الصالون تنظف، تلاقيه واقف على الشباك بيكلم حد في الموبايل بس عينه مترقبة كل حركة منها. ولو دخلت أوضة التخزين تدور على حاجة، تلاقيه بيعدي من قدام الباب بصدفة مش مقنعة خالص.

وفي وسط كل ده، يوسف كان الكارت الرابح بتاع فارس.

الواد بقى يلعب دور الوسيط من غير ما يحس.

“بابا بيقولك يا فتون تعالي اقعدي معانا في الجنينة.”

“بابا جابلك شوكولاتة بالبندق اللي بتحبيها.”

وفتون كانت بتتجنب تبص لعينين فارس وهي بتقول لليوسف: “قول لبابا شكراً يا حبيبي.”

لحد جه اليوم اللي كسر الحصار ده كله.

كانت الدنيا ليل، والبيت هادئ تماماً مفيش صوت غير حفيف الشجر بره. فتون كانت في مكتب فارس بتنظف التراب على السريع، وتأكّدت إنه بره البيت في اجتماع مهم. خلصت شغلها وكانت لسه هتخرج، لما لفت ومسكتها دُوخة خفيفة من تعب السهر وطول الشغل.

مدت إيدها تسند على طرف المكتب.. وفجأة الباب اتفتح.

فارس دخل!

الشهقة وقفت في حلقها. هو واضح إنه رجع بدري عشان نسى ملف مهم. أول ما شافها واقفة جوه مكتبه لوحدها، قفل الباب بالمفتاح بهدوء.. التكة بتاعة المفتاح رنت في ودنها كأنها جرس تنبيه.

رفعت عينيها وبصتله ووقفت مكانها زي المجمدة.

فارس قرب منها ببطء، خطوة بخطوة، والبرودة اللي الناس كلها بتخاف منها كانت دايبة خالص في نظرة عينيه، ومحلها نار تانية خالص. وقف قدامها.. مسافة قريبة جداً خلتها تحس بحرارة جسمه وبريحة المطر العالقة في هدومه.

“كنتي بتهربي مني طول النهار ليه يا فتون؟” صوته كان واطي وهادي، بس جواه قوة تخلي الحجر ينطق.

بلعت ريقها بالعافية وصوتها طلع مهزوز: “أنا.. أنا مش بهرب.. أنا كنت بخلص شغلي.”

فارس مد إيده بحركة بطيئة جداً، كأنه بيقرب من غزال حذر، وصباعه لمس خصلة شعر صغيرة نزلت على خدها، فعملت قشعريرة في جسمها كله.

“كدابة..” قالها بهمس وهو بيقرب أكتر: “كنتي بتهربي عشان عارفة زي ما أنا عارف، إن اللي حصل في المطبخ ده مكنش صدفة.. وإن وجودك هنا مابقاش مجرد خادمة في بيتي.”

رفعت عينيها وبصت في عينيه السودا اللي مليانة تساؤلات وسلطة وكمان.. وجع قديم، وقالت بشجاعة غريبة عنها: “وحضرتك يا سي فارس.. قصدي يا فارس.. فاكر إن ده ينفع؟ أنا مين وانت مين؟ الناس هنا هتقول علينا إيه؟ والمرأة اللي زيك.. مستحيل تبص لواحدة زيي بجد.”

فارس ضحك ضحكة قصيرة وخفيضة، مسك ذقنها برقة بين صوابعه ورفع وشها لفوق عشان تغصبها تبص له كويس:

“الناس اللي بره دول، واللي بيفكروا بالطريقة دي.. ميقروش عندي بجنيه. وأنا مببصش لحد غير للي قلبي اختاره.. وإنتي من الليلة دي، بقيتِ أقرب ليا من نفسي.”

دمعة صغيرة نزلِت على خدها من كتر اللخبطة والحذر والفرحة اللي مش متصدقاها، وفارس بصباعه مسح الدمعة دي بحنان هادي، وبعدين نزل بعينيه على شفايفها المرتعشة.

“ماتعيطيش..” قالها بصوت دافئ وساحر: “إنتي هنا مش خادمة يا فاطمة.. إنتي هنا الملكة الحقيقية للبيت ده.. وبكرة الكل هيعرف كده.”

#حكايات_شروق_خالد

الساعة كانت اتنين وسبع دقايق الفجر، لما فارس مهران رجع البيت وآثار يوم طويل لسه على أطراف كمّ قميصه، وعقله مليان أفكار متعبة.. وفجأة وقف مسمّر في مدخل المطبخ بتاعه، والسبب؟ الخادمة الصغيرة اللي كل اللى في القصر بيعاملولها وكأنها قطعة أثاث، كانت بترقص حافية على نور الموقد، كأنها كانت قاعدة تستنى طول عمرها لحظة واحدة لوحدها تحس فيها إنها حلوة ومميزة.

مكنتش حاسة بيه.

ودي الحاجة الوحيدة اللي خلتّه يبلع لسانه ويسكت.

فاطمة “فتون” حسن كانت حاطة سماعات لاسلكية في ودنها، وشعرها الأسود الكيرلي نازل على ظهرها، ولابسة بنطلون رياضي رمادي نازل على وسطها، وتوب أسود ماكنش ممكن تلبسه أبداً لو كانت تعرف إن فيه بني آدم صاحي في البيت ده. بالنهار، كانت بتداري نفسها تحت عبايات واسعة وقمصان فضفاضة وابتسامات مصطنعة، بتنظف الفيلا وهي ساكتة وعينها في الأرض، وبتتكلم بصوت واطي خالص؛ عشان اللي زيها اتعلموا من بدري إنهم لو ظهروا أو خدوا مساحة، آخرتها هتكون تعب وتجاهل.

بس في نص الليل، جوه مطبخ القصر الرخامي الواسع، كانت بتحرك جسمها كأنها مالكة الدنيا واللي فيها.

المطر كان بيخبط في الشبابيك الكبيرة بعنف، والقصر اللي على أطراف القاهرة كان بيترعش من العاصفة، وبره كان فيه حراس أمن بيأمنوا مكان شكله فخم اه، بس من جواه كان أشبه بمكان مغلق كبير.

وفتون مكنتش سامعة أي حاجة من ده كله.

علّت الصوت في السماعات وبدأت تهز وسطها بتناغم جنب البوتجاز، وفيه حلة لبن صغيرة بتسخن على نار هادية. حركاتها بقت أجرأ وأحلى، وضحكت لنفسها بصوت واطي وهي بتسند بإيدها على الرخامة عشان تتوازن. جسمها كان مليان وحضورها لافت، ولأول مرة تحس إنها مش محتاجة تعتذر على ده.

وفارس كان واقف يراقبها من الظلمة.

في سن الخامسة والثلاتين، كان أرمل، وصارم من أقصى البلد لأقصاها، وبارد لدرجة إن بعض الرجال كانوا بيغضوا بصرهم أول ما يدخل أي مكان. قدام الناس، صاحب شركات استيراد وتصدير ناجحة.. ومن وراهم، يدير دائرته ورجاله بحزم.

بس جوه البيت هنا، غالباً كان بيحس إنه غريب عن ابنه.

يوسف ابنه، اللي عنده خمس سنوات، غابت مامته من سنتين، ومن ساعتها مبقاش يثق في حد نهائي. كان بيبعد أي مدرسة، وبيطرد الخدم، ورافض ينام لوحده. بس سبحان الله، اتعلق بفتون تعلق أعمى. هي مكنش مطلوب منها ترعاه أساساً، دي كانت خادمة عادية، بس الولد كان ماشي وراها زي الظل، وبقت هي البني آدم الوحيد اللي بيعرف يهديه بعد الكوابيس، أو يرجع الضحكة لوشه في أصعب أيامه.

فارس كان ملاحظ ده من زمان.

مش عشان كان مهتم بفتون أساساً.

لكن عشان يوسف مكنش بيبطل سيرة عنها وعايزها جنبه دايماً.

وطول ستة أشهر، فارس يا دوب كان بيعبرها بكلمتين: صباح الخير بهدوء، إيماءة في الطرقة، وقبض المرتب أول الشهر. أكتر من كده مفيش.

ودلوقتي، واقف في مطبخه ساكت، بيفرج على فاطمة وهي بترقص كأن الوحدة لقت أخيراً اللحن اللي يعجبها.

نزلت لتحت وهي بتضحك بخفوت، وبعدين رفعت ايديها الاتنين فوق راسها. في اللحظة دي، مكنتش شبه خالص الخادمة الهادئة اللي بتنكمش أول ما رئيسة الخدم تعاتبها أو تلومها بكلمتين. كانت دافية، وحية، وحقيقية بجد.

فارس كان لسه ساهر طول الليل يدير صفقات ويتعامل مع رجال أعمال بحسم، وخلص قاعدة شكلها صارم في مكان خاص بتوجيه محدش هيقدر ينساه.

ومع ذلك، المنظر ده أقلقه أكتر بكتير.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى