روايات وقصص

. عقل وسط الشحوم:ج1 حكايات شروق خالد

نظر محمود إلى الرسم، وبدا مهتماً لأبعد الحدود.

“وعيب الكود ده إيه؟”

“العيب مش في اللوحة يا فندم. اللوحة سليمة مية في المية وخسارة فيها جنيه واحد يتصرف على غيرها.” رفع مالك عينيه المليئتين بالإرهاق والتصميم. “الكود بيظهر نتيجة اختلاف التوقيت بين سنسور السرعة في المحور الثالث، وبين الحركة الميكانيكية الفعلية للسيور. لما الكلارك خبط الحاجز يوم الأحد، الحساس اتحرك من مكانه ملي واحد بس.. ملي واحد يا فندم! ده خلى إشارات الداتا تتأخر أجزاء من الثانية عن الكنترول، فالكمبيوتر اعتبر إن فيه مشكلة في البوردة الأساسية.”

ظل محمود صامتاً لثوانٍ طويلة، يزن كلام الشاب في عقله بميزان خبير قضى عقوداً طويلة في إدارة خطوط الإنتاج الكبرى.

“ولو الكلام ده صحيح.. إنت بتعمل إيه تحت الماكينة دلوقتي؟”

ابتسم مالك بابتسامة خفيفة، ورفع مفتاح الربط مقاس عشرة في وجه محمود.

“بفك مسامير التثبيت الخاصة بحساس المحور الثالث عشان أرجعه لتدريجه الأصلي بالمللي.. وبعدين هطلب منك تطلب من مشرف السلامة والصحة المهنية يفك القفل الأحمر ده عشان نجرب.”

لم يتردد محمود لحظة واحدة.

مد يده وجذب لافتة القفل الحمراء من مكانها بقوة، ثم ألقاها على الأرض الخرسانية للمصنع.

“جرب يا مالك.. وريني شطارتك.”

انزلق الشاب تحت الآلة مرة أخرى، وسمع محمود صوت احتكاك معدني خفيف، يليه صوت ربط مسمار بحرص شديد، ثم خرج مالك ونتفض واقفاً وهو ينفض الغبار عن قميصه الرمادي.

“خلاص يا فندم.. كده المحور رجع مكانه.”

أشار محمود بيده نحو لوحة التحكم الرئيسية المظلمة.

تقدم مالك، وبأصابع واثقة، ضغط على زر إعادة التشغيل الرئيسي (Reset)، ثم ضغط على زر بدء التشغيل الأخضر.

لثانيتين، عم صمت مطبق.

ثم اهتزت الأرضية تحتهما قليلاً.

وارتفع طنين منخفض، مألوف، وجميل من أعماق سيور الفولاذ.

بدأت محركات السيرفو تدور بنعومة، وانطلقت أضواء الشاشات الرقمية تتوهج باللون الأخضر الساطع، بينما بدأت عجلات الكبس وموزعات العجين تتحرك في تناغم تام ودقيق كأن شيئاً لم يكن.

عادت الحياة إلى خط الإنتاج الذي تكلّف ملايين الجنيهات، وعاد معه أمل المصنع كله في اللحظات الأخيرة.

وقف محمود الشريف يراقب حركة الآلة باندهاش بالغ، ثم التفت نحو الشاب الواقف أمامه، ووضع كفه الثقيل على كتفه بحرارة.

“أنت اسمك إيه بالكامل يا مالك؟”

“مالك داوود.. يا فندم.”

“يا مالك.. ابتداءً من النهاردة، أنت مبقتش عامل في قسم النظافة والتعقيم.” ابتسم محمود بوضوح لأول مرة منذ أيام طويلة، وتابع: “من النهاردة، أنت رئيس قسم الصيانة والتشخيص التقني للخطوط الجديدة.. وراتبك ابتداءً من الشهر ده هيبقى عشرة أضعاف مكافأة المتدربين، مع منحة خاصة فورية.”

وقف مالك مذهولاً، عاجزاً عن الكلام، بينما أكمل محمود بصوت حازم وحنون: “ودلوقتي.. روح اقلع اللبس ده، واشرب كوباية قهوة محترمة، عشان قدامنا تسعة أيام بس عشان نملى شاحنات هارفست تابل بأحلى فطائر في مصر كلها.”

#حكايات_شروق_خالد
#حصري

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى