
، كل ده مألوف عنده.
بس اللي شافه مكنش ده.
مراقبته وهي بترقص لوحدها في المطبخ مكنش مجرد رغبة فيها وبس.
دي خلتّه عايز يحميها.
ودي حاجة جديدة تماماً.
حاجة مهمة.
فتون التفتت للبوتاجاز وهي لسه بتتحرك برقة ومدت إيدها تشيل الحلة. فارس اتحرك خطوة لورا قبل ما تحس بوجوده، واختفى في الطرقة زي الدخان. دخل مكتبه وقفل الباب، وفجأة حس إن إيده بتترعش لوحدها.
صب لنفسه كاس مياه مثلجة وشربه دفعة واحدة، وبص لابتسامته الباهتة المنعكسة على قزاز الشباك في الضلمة.
فاطمة حسن.. فكر لنفسه.
الخادمة اللي الكل بينساها.
الست اللي قسمت حياته لنصين: قبل ما يشوفها.. وبعده.
تاني يوم الصبح، فتون حست إن فيه حاجة مش عادية من قبل ما تدخل السفرة حتى.
فارس مهران كان في البيت.
وعمره ما كان بيقعد يفطر في البيت أصلاً.
نزلت وهي لابسة كارديجان بيج فوق فستان كحلي واسع، وشاماها مشدود لورا ووشه من غير نقطة مكياج. رجعت تاني للشخصية اللي الكل متعود عليها في القصر: هادئة، حذرة، مجتهدة، وكأنها مش موجودة أساساً.
ولما دخلت، لفت وشها ولقته قاعد على راس الترابيزة الكبيرة.
قميصه الأسود مفتوح من فوق، وشعره الداكن لسه ندي من المي، وفيه أثر خفيف على مفاصل صوابعه. كان شكله كواحد مطبق ومنعس بس وراه قصة طويلة مش ناوي يحكيها لحد.
يوسف اول ما شافها نطق بلهفة:
“بابا!”
ولجزء من الثانية، صرامة وش فارس لحت شوية، فتح دراعه، والولد جري نط في حضنه على طول.
فتون فضلت واقفة بعيد جنب الباب.
“صباح الخير يا فندم.”
فارس بص لها.. مش من فوق لتحت زي كل مرة.. لا، بص لها هي بجد.
“يا فاطمة.”
طريقة نطقه لاسمها خلت بطنها تنقبض في مكانها.
قالت بسرعة وارتباك: “أنا هجهز الفطار جوه في المطبخ.”
“لأ.”
صوته كان هادي ومفيهوش نقاش:
“هتأكلي هنا معانا.”
رمشت بعينيها بعدم تصديق:
“أنا… أنا أصلاً مش بقعد أفطر مع العائلة.”
رد عليها من غير ما يشيل عينه من عليها: “عارف أنك مش بتعملي كده.. بس النهاردة هتقعدي.”
تيسير هانم، رئيسة الخدم، كانت واقفة جنب البوفيه، وحواجبها طلعت لفوق من المفاجأة.
الخجل بان في وش فتون وبقى أحمر.
“يا سي فارس… مش هينفع كده، عيب.”
فارس اتسند بضهره على الكرسي وقال ببرود مقصود:
“البيت ده بيتي، وأنا اللي بقرر إيه اللي ينفع وإيه اللي لأ.”
ويوسف مد إيديه الصغيرين وماسك في فتون بإصرار:
“اقعدي جنبي يا فتون، أنا عايزك هنا.”
وكده الكلام خلص.
قعدت بحذر شديد على الحرف، ومحاولة تخلي جسمها أصغر ما يمكن عشان تختفي.
فارس لاحظ على طول وقال بصوت هادي:
“مش لازم تكُمي نفسك كده عشان تاكلي.”
فتون اتجمدت:
“نعم يا فندم؟”
“سمعتيني كويس.”
تيسير هانم كانت هتقع منها الصينية من كتر المفاجأة.
أما يوسف، اللي مكنش فاهم حاجة من التوتر اللي في الجو، كمل فطار بتبات وسألها بكل براءة لو هتاخده العصر يشوفوا العصافير اللي في الجنينة.
ردت عليه بصوت دافي: “حاضر يا حبيبي، من عيوني الاتنين.”
وفارس قاعد يراقبها وهي بتقطع له العيش وبتاكلوا بحنان حقيقي طالع من قلبها. شاف الثقة البريئة اللي بينهم، وحس بحاجة قديمة ومكسورة جواه بدأت تطرى لأول مرة من سنين.
خلص أكل وقام من غير ولا كلمة.
بس رجع بدري في نفس اليوم بالليل.
وتاني يوم رجع بدري برضه.
واليوم اللي بعده نفس الحكاية.
في الأول، فتون كانت بتضحك على نفسها وتقول دي صدفة؛ فارس رجل أعمال وعنده شغل في كل حتة، وأكيد بيعدي بالصدفة في الطرقة وهي بتنفض التراب، أو بيقف في المطبخ صدفة وهي بتعمل حاجة ليوسف.
بس فارس مهران مكنش من النوع اللي بيؤمن بالصدف.
في يوم، وهي مادت إيدها تجيب علبة من فوق رف عالي، الكارديجان ارفع شوية وكشف عن جزء من وسطها.. ولما لفت بسرعة، لقت فارس واقف وراها مباشرة، وعينه مسمرة عليها.
مفيش نظرة استعلاء.
ومفيش احتقار.
فيه بس نظرة إعجاب هادئة ومهمة خلت دقات قلبها تلخبط والدنيا تلف بيها.
شدت هدومها بسرعة وهي مضطربة:
“هو… هو حضرتك كنت عايز حاجة يا سي فارس؟”
ضيق عينيه وشد على حروفه وهو بيبص لها بعمق:
“ناديني… فارس.”
فضلت باصة له ومش مصدقة ودانها، وبتسأل نفسها: هو الطريق ده هيوصلهم فين بالضبط؟
#حكايات_شروق_خالد



