دخلت البيت.. شقة قديمة في المعادي ريحتها كلها ذكريات وأيام راحت. في الأوضة المجاورة لمكتبه، فتحت الدولاب القديم، ولقيت صندوق خشبي صغير مقفول بقفل قديم. يوسف جاب مفتاح من درج المكتب، وفتحنا الصندوق.
جوه الصندوق، مكنش فيه فلوس ولا دهب.. كان فيه كل جواب كتبته له وأنا عندي تسعتاشر سنة، مترتبين بالتواريخ وبالشريط الأحمر اللي كنت ربطهم بيه زمان. ومعاهم جوابات تانية كتيرة مكتوبة بخط إيده هو، جوابات عمرها ما وصلتني، وكان كاتب فيها كل يوم بيعدي عليه وهو فاكر إني أنا اللي بعتّه ومش عايزة أشوفه تاني.
وسط الورق، لقيت شهادة ميلاد الطفل اللي كان في الصورة.. واسمه الحقيقي، والورقة الطبية اللي تثبت إن أمي هي اللي نسجت الخيوط دي كلها عشان تضمن إن طريقنا يتقطع للأبد، لأسباب تخصها وحدها أو يمكن خوفًا من كلام الناس والمجتمع وقتها.
مسكت الجوابات وضميتها لصدري، وحسيت بدموعي بينزلوا تاني بس المرة دي مش حرقة ولا قهر، دي دموع صلح مع الماضي.
يوسف بص لي وقال بصوت دافئ:
“طنط حبيبة.. بابا الله يرحمه كان دايماً يقول لي إن فيه ناس بتعيش عمرها كله تدور على السعادة وهي قدام عيونهم. أنا أسف على كل سنة ضاعت منكم، بس متأكد إن روحه مرتاحة دلوقتي لأنكم اتقابلتوا قبل ما يسيبنا.”
ابتسمت له وسط دمعي، وقلت:
“أنا اللي أشكرك يا يوسف.. لأنك رجعت لي حقي في الماضي، ورجعت لي روحي اللي كانت تايهة.”
رجعت بيتي ومعايا الصندوق بكل ريحته وذكرياته. حطيت الخاتم القديم اللي كان شايله كل السنين دي في إيدي، وحسيت ولأول مرة من أربعين سنة، إني مش وحيدة، وإني حب السنين دي كله.. ما ماتش، بس كان محبوس في صندوق استنى اللحظة الصح عشان يرجع ينور من جديد.
عدّت الأيام، ورجعت الحياة تهدى تدريجياً، لكن إحساسي بالزمن اتغير تماماً. الشقة اللي كنت بحس فيها بالوحدة وبقضي الساعات أراقب الشارع من البلكونة، مبقتش وحشة.. بقت مكان دافي بيجمعني بيوسف من فترة للتانية، كأنه بقى امتداد لروح طارق اللي سابها أمانة عندي.
في يوم، كنت قاعدة بقلّب في أوراق الصندوق القديم، ووقعت إيدي على ورقة صفراء من تهالك الزمن، مكتوبة بخط أمي الله يرحمها. فتحتها، ولقيت فيها اعتراف مكتوب بخط يدها سنة 1988، بتقول فيه إنها عملت كده خوفاً من كلام الناس ومن إن عيلتنا تتساب في لسان البلد، وإنها “اشترت” راحة بالها بتدمير حياة بنتها الوحيدة.
قريت الورقة، ومحسيتش بأي غضب ناحيتها. الاستيعاب ساعات بيجي متأخر قوي، بس لما بيجي، بينضّف القلب من جوه. أمي راحت للي خلقها، ومش أنا اللي هحاسبها، لكن اللي فهمته كويس إن الخوف والجبن هما أكتر حاجات ممكن تسرق مننا حياتنا وإحنا مش حاسين.
بعدها بشهر، كلمني يوسف وقال لي إنه محتاج يزورني في موضوع مهم. لما جه وقعد معايا في الصالون، طلع ملف رسمي من الشنطة وحطه قدامي وقال:
“يا طنط حبيبة.. بابا قبل ما يتوفى بفترة قصيرة، كتب جزء كبير من بيته وممتلكاته البسيطة باسمي، بس وصيته الأخيرة كانت واضحة وصريحة.. قال لي: (كل اللي عشته وكل اللي حيلتي يروح لحبيبة، تعويض عن الأربعين سنة اللي ضاعوا بسببنا).”
بصيت للملف وبعدين ليوسف وقلت برفض قاطع:
“أنا مش عايزة فلوس ولا ممتلكات يا يوسف.. أنا كفايتي من الدنيا دي إني عرفت الحقيقة، وإني عرفت إن طارق ما بعنيش.. ده كفاية عندي بالدنيا وما فيها.”
ابتسم يوسف وقعد قدامي وقال بحسم:
“دي مش منّة ولا هدية يا طنط.. دي وصية، ووصية الميت دين في رقبتنا. وأنا أصلاً عندي شغلي وحياتي، ومش هقبل إن حقك يضيع بالشكل ده.”
سكتُّ وأنا باصة لخاتم الدهب القديم اللي في إيدي.. الخاتم اللي طارق اشتراه من أربعين سنة واستنى طول العمر عشان يلبسهوني. حسيت إن الأقدار مش دايماً بتيجي بالشكل اللي بنتمناه، بس أحياناً بتصلح غلط السنين في آخر اللحظة عشان ترجع كل حاجة لمكانها الصح.
وافقت في الآخر، مش عشان المال، بل عشان أقفل الدايرة دي بشكل يليق بقصة حب امتدت طوال العمر وعاشت تحت الرماد. وقررنا إن شقة المعادي تتحول لمكان ثقافي صغير يضم مكتبة طارق وكتب الأدب بتاعي، عشان تكون ذكرى لكل اللي بيحبوا بصدق وما يستسلموش لظروف الزمن.
والنهارده، وأنا قاعدة بكتب السطور الأخيرة من الحكاية دي، بشبّك صباعي الصغير في الهوا كأني لسه بنت عندها تسعتاشر سنة، وببتسم وأنا عارفة إن الحب الحقيقي.. حتى لو غاب سنين، بيرجع في النهاية عشان يكتب نهايته بنفسه.
#حكايات_شروق_خالد
أمانة الصندوق
حكايات شروق خالد



