منوعات

السنين وبراءة ج1 حكايات شروق خالد

ثم إلى اللوحة المعدنية المكتوبة على مكتبي بماء الذهب.

يوسف الراوي — رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي.

سقط فكها من شدة الذهول والصدمة ولم تستطع نطق حرف.

“أنت… أنت تدير هذه الشركة الكبرى؟”

“نعم.”

ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة.

“لم أكن أعلم… أقسم لك.”

“كنت متأكداً من ذلك.”

امتلأت عيناها بالدموع سريعاً.

“يوسف، أرجوك… أنا بحاجة ماسة لهذه الوظيفة لأجل… لأجل ابنتي.”

أشرت بيدي بهدوء نحو المقعد الجلدي المقابل.

“إذاً اجلسي ودعينا نناقش طلب التوظيف الخاص بك.”

جلست وهي ترتجف وتفرك يدها ببعضهما.

استعرضت خبراتها المهنية البسيطة في أوراقها.

ثم انتقلت إلى الصفحة الأخيرة.

كان هناك سؤال واحد لا يمكنني تجاوزه.

أشرت بقلمي نحو خانة جهات الاتصال للطوارئ.

“يا مروة، لماذا تحمل الطفلة اسم عائلتي؟”

فقد وجهها كل ألوانه وتحولت ملامحه للصفرة.

“يوسف… أرجوك اسمعني…”

“إنها في التاسعة من عمرها يا مروة.”

نظرت مروة إلى الأرض مطأطئة الرأس.

“أرجوك ارحمني.”

انحنيت للأمام قليلاً بعينين حادتين.

“ابنة من تكون هذه الفتاة؟”

انفجرت بالبكاء والنحيب.

“أقسم أنني كنت أريد أن أخبرك الحقيقة وقتها.”

“تخبريني بماذا بحق الجحيم؟”

مدت يدها وهي ترتجف داخل حقيبتها المفتوحة.

وأخرجت صورة قديمة مطوية.

ووضعتها على حافة مكتبي ببطء.

كانت طفلة صغيرة تبتسم للكاميرا ببراءة.

شعر بني ناعم.

وعينان واسعتان.

وابسامة مألوفة تماماً لا يمكن أن تخطئها عيني.

ابتسامتي أنا… نفس الانحناءة التي ورثتها عن أبي في صعيد مصر.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة، عجز لساني عن الكلام وتجمد الدم في عروقي.

همست مروة بصوت منكسر يملؤه الندم:

“يا يوسف… كريم كان قد أخفى الحقيقة عن كلينا ولم يخبرني إلا متأخراً.”

تصلبت عضلات فكي، وشعرت بنيران تشتعل في صدري.

“ما الذي أخفاه ذلك الخائن؟”

أخرجت مظروفاً ثانياً يحمل أوراقاً رسمية مختومة.

وبداخله كان هناك تقرير طبي لتحليل بصمة الوراثة (DNA).

حدقت في المستند بجمود.

ثم نقلت نظراتي إلى مروة.

“لماذا تحتفظين بهذا التقرير معكِ حتى الآن؟”

مسحت دموعها بغطاء يدها.

“لأن كريم اكتشف الحقيقة قبل تسع سنوات، وخاف افتضاح أمره أمام أسرته وأمواله، فهددني وحرص على ألا تعرف أنت شيئاً نهائياً حتى طردتك من حياتي.”

فتحت أوراق التقرير ببطء أعصاب بارد.

لقد واجهت في حياتي أقوى رجال المافيا، وتجار الحتة، والمجرمين المسلحين الذين هددوا كل ما بنيته بعرقي.

لكن شيئاً في هذا العالم لم يستعدني لهذا الرعب والصدمة وأنا أقرأ تلك السطور.

تحركت عيناي نحو السطر الأخير بدقة.

احتمالية الأبوة بنسبة تتجاوز 99.9%.

وقبل أن أتمكن من استيعاب الرقم أو النطق بكلمة، مدت مروة يدها بيأس عبر المكتب وأمسكت بمعصمي بقوة وهي ترتجف.

“يوسف، أقسم بالله أرجوك ألا تؤذي كريم أو تقترب منه حتى أروي لك كيف دمر حياتي أنا أيضاً وحرمنا من بعضنا طوال تلك السنين!”

حدقت في عينيها المرعوبتين ببرود تام.

لأنني أدركت في تلك اللحظة أن الأمر لم يكن متعلقاً فقط بالوظيفة ولا بالابنة التي سرقوها مني طوال تسع سنوات.

بل كان متعلقاً بثأر قديم، بخيانة دمرت روحي قبل عِقد من الزمن.

وباحتمالية أن الرجل الذي اعتبرته يوماً أخي وسندي في هذه الدنيا، لم يسرق زوجتي فحسب… بل سرق مني طفلتي وقطعة من روحي.

رفعت نظري ببطء عن تقرير تحليل الحمض النووي، وحدقت في مروة التي كانت تتنفس بصعوبة بالغة، وكأن الهواء قد نفد من الغرفة. الموقف برمته كان أغرب من أي خيال، وأقسى من أي سيناريو قد تخطته عقلي طوال سنوات الانتقام والبناء.

قلت بصوت هادئ، لكنه يحمل نبرة صقيعية جعلتها ترتجف أكثر:

“تفضلي يا مروة… أنا أسمعك. أمامي خمس دقائق فقط قبل أن يبدأ اجتماع مجلس الإدارة، فاحرصي على أن تكون كل كلمة صادقة، لأنها ستحدد مصير الرجل الذي دمر حياتي، ومصيرك أنتِ أيضاً.”

بلعت ريقها بصعوبة، وابتلعته معها ذكريات سنوات طويلة من القهر، ثم بدأت تحكي بصوت منكسر يغلب عليه البكاء:

“يوم أن طردتني من حياتك… أو بالأحرى يوم أن تركتك وخلفت ورائي كل شيء، كنت غبية ومغشوشة ببريق المال والجاه الكاذب الذي أظهره لي كريم. ظننت أنه المُنقذ، وأن الحياة معه ستكون جنة. لكن الصدمة الكبرى وقعت بعد زواجنا بشهرين فقط.”

توقفت لحظة لتلتقط أنفاسها، ثم واصلت:

“اكتشفت أن كريم لم يكن سوى شخص أناني، بلا مبدأ، ولا يعرف للوفاء طري قاً. وفي تلك période، شعرت بأعراض غريبة، وأجريت تحاليل لأكتشف أنني حامل. كنت قد مررت بفترة انتقالية صعبة بينك وبينه، وعندما تأكدت من التاريخ والأسابيع، أدركت جيداً أن الطفلة… أن ليليان هي ابنتك أنت يا يوسف، وليست ابنة كريم.”

أحسست بدمائي تفور في عروقي، وضغطت على حافة المكتب بقوة حتى أبيضت knuckles يدي:

“ولماذا لم تخبريني وقتها؟ لماذا تركتيني أعتقد طوال هذه السنوات أنني بلا أطفال؟”

انهارت مروة باكية بصوت عالٍ وهي تضع وجهها بين كفيها:

“لأن كريم اكتشف الأمر! عندما ظهرت علامات الحمل الأولى، وجد وثائق التحاليل القديمة في مكتبه بالمنزل. جن جنونه. كان يخاف أن يعلم والده النافذ أو أصدقاؤه في المجتمع الراقي أنه يربي ابنة رجل آخر… رجل كان يعتبره مفلساً في نظره. هددني بأنه إن فتحت فمي بكلمة واحدة، أو حاولت التواصل معك، فسوف يسلبني الطفلة، ويلقي بي في الشارع بلا ربع جنيه، ولن أرى ابنتي أبداً طوال حياتي!”

التزمت الصمت، وكانت عيناها المليئتان بالدموع تثبتان في وجهي بحثاً عن أي بصيص أمل أو رحمة. واصلت هي بانهيار:

“كنت أسيرة في قفص من ذهب طوال السنوات التسع الماضية يا يوسف. كان يعاملني بقسوة، ويهينني كلما أثقلت عليه بطلبات ليليان، ومع أول تعثر مالي لشركاته في الآونة الأخيرة، تخل عني تماماً وطردني أنا وابنتك لنواجه مصيرنا وحدنا في الشارع، بلا مأوى ولا حتى قوت يومنا. لم أكن أعلم أن الشركة التي تقدمت إليها هي شركتك أنت بالذات… أقسم لك أنني لم أكن أعلم!”

ساد الصمت الغرفة لفترة طويلة، لم يكن يسمع فيها سوى صوت دقات الساعة المعلقة على الجدار الفخم.

وقفت من خلف مكتبي، وعدلت ياقة بدلي ببطء شديد، ثم مشيت بخواتم منتظمة حتى أصبحت يقظاً أمامها مباشرة وهي جالسة. نظرت إليها نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر، سوى البرود المطلق.

قلت بصوت حاسم:

“لقد عشت عشر سنوات كاملة وأنا ألعن اليوم الذي عرفتكم فيه. عشت في الشوارع، ذقت مرارة الجوع، ونمت في سيارتي القديمة، بينما كنتما تنعمان بأموالي وجهدي ومستقبلي. ظننت أنني خسرت كل شيء، وأن صفحة الماضي قد طويت للأبد.”

نظرت إلى الصورة القديمة للطفلة الصغيرة على المكتب، ثم أردفت:

“أما بخصوص الوظيفة التي جئتِ من أجلها… فأنظري إلي جيداً يا مروة. أنتِ لستِ مطرودة من رحمة الحياة، ولن تحتاجي إلى التوسل لأحد بعد اليوم.”

فتحت درج المكتب وسحبت قلماً، ثم وقعت على أوراق طلب التوظيف بخط عريض، ودفعتها إليها.

“أنتِ مقبولة في الوظيفة براتب 120,000 جنيه شهرياً كما طلبتم… بل ومكتبك سيكون في الطابق العلوى مباشرة.”

فتحت مروة عينيها من شدة الدهشة والصدمة، وظهر ومض من الأمل على وجهها الشاحب، فقالت بصوت مرتعش:

“حقا يا يوسف؟ أنت… أنت تسامحني؟”

ابتسمت بابتسامة ساخرة وباردة كالثلج، قبل أن أقول بلهجة قاطعة جعلت الدم يتجمد في عروقها مرة أخرى:

“إياكِ أن تظني لو للحظة واحدة أنني فعلت هذا لأجلك. الوظيفة والراتب والقصور وكل ما سأمنحه لكِ هو فقط من أجل ابنتي… من أجل ليليان التي سرقتموها مني تسع سنوات كاملة.”

ثم التفتُّ نحو حارسي الشخصي الواقف عند الباب، وقلت بصوت صارم:

“أبلغ الأمن بمنع أي محاولة لاقتراب كريم من محيط الشركة، وأحضروا لي ملفه المالي والتجاري كاملاً على مكتبى خلال ساعة… فقد حان الوقت لكي يدفع الحساب كاملاً، مضافاً إليه فوائد السنوات العشر الماضية.”

#حكايات_شروق_خالدرفعت سماعة الهاتف الداخلي على مكتبي، وطلبت مدير الحسابات والعمليات القانونية فوراً. لم تمر سوى دقيقة حتى فتح باب المكتب ودخل ممدوح، مساعدي الأيمن وأكثر الرجال ولاءً لي في هذه الإمبراطورية التي بنيتها من دماء الأعوام.

قال ممدوح باحترام وهو ينحني قليلاً:

“أمرك يا باشا؟ طلباتك جاهزة.”

أشرت بيدي نحو مروة التي كانت تقف في ركن الغرفة مكسورة الخاطر، ثم نظرت إلى ممدوح وقلت بلهجة حاسمة لا تقبل التاويل:

“مروة محمود ستلتحق بالعمل اعتباراً من اليوم كمديرة لإدارة المتابعة والتنسيق، وبراتب شهري قدره 120,000 جنيه كما تم الاتفاق. جهز لها كل أوراق التعاقد، واصرف لها سلفة مقدمة فورية بمئة ألف جنيه لتدبير أمورها وأمور ابنتها ليليان.”

بدت علامات الدهشة الخفيفة على وجه ممدوح، لكنه أومأ برأسه سريعاً وقال:

“تحت أمرك يا باشا، سيتم التنفيذ فوراً.”

التفتُّ بعد ذلك إلى مروة التي كانت تنظر إليّ بدموع الامتنان والخزي معاً، وقلت بصوت حاد:

“يمكنك الانصراف مع ممدوح لإنهاء الإجراءات. ولا تقلقي بشأن ليليان، ستتولى أفضل المدارس رعايتها، وسأتكفل بكل شيء يخصها. أما بالنسبة لي، فقد حان الوقت لنبدأ الفصل الأهم.”

خرجت مروة مكسورة الخطوات برفقة ممدوح، وبقيت وحدي في المكتب الواسع أمام شاشات المراقبة ودفاتر الحسابات.

فتحت الملف الرقمي الخاص بكريم صبحي.

قبل تسع سنوات، كان الفتى المدلل الذي يملك كل شيء ويستعرض أمواله وثروته أمام الجميع. أما اليوم، فالصورة قد انقلبت تماماً. تشير التقارير الاقتصادية والتحريات التي طلبتها إلى أن شركات كريم العقارية وتوكيلات السيارات التي ورثها عن عائلته قد تعرضت لهزات عنيفة، وتراكمت عليها الديون لصالح البنوك ورجال الأعمال حتى بات على شفا الإفلاس التام. كان يستعد خلال الأيام القادمة لإعلان تعثره المالي، باحثاً عن ممول جديد أو مستثمر ينقذه من السجن وملاحقة الدائنين.

ابتسمت ببطء وأنا أشعل سيجاراً فاخراً.

قلت لنفسي بصوت خافت: “المفترس الحقيقي لا يقتل ضحيته بسرعة… بل يتركها تتخبط في جراحها حتى تظن أن النجاة قريبة، ثم يغلق عليها باب القفص تماماً.”

أمسكت بهاتفي الخاص، وطلبت رقماً مباشراً لأحد أكبر رؤساء مجالس إدارة البنوك الكبرى في مصر، والذي تربطني به مصالح استراتيجية واسعة.

رن الهاتف مرتين قبل أن يأتيني صوته المترحب:

“أهلاً يا دون ريد… سعادة الباشا، أمرني كيف أخدمك اليوم؟”

أجبته بنبرة هادئة وحاسمة:

“أهلاً بك يا فخري بك. اسمعني جيداً… هل تتذكر تلك المديونيات المتراكمة على شركات «مجموعة صبحي للاستثمار العقاري» المملوكة لكريم صبحي؟”

جاءني صوته متسائلاً بفضول:

“بالتأكيد يا باشا، القروض تجاوزت عشرات الملايين، والبنك بصدد الحجز القانوني على أصوله قريباً جداً لعدم وجود السيولة الكافية.”

رسمت ابتسامة ساخرة على وجهي وأنا أنظر من نافذة مكتبي العملاقة إلى حركة السيارات في شوارع القاهرة أدناه، وقلت:

“لا تقم بالحجز الآن يا فخري… قم بشراء كل مديونياته المستحقة لصالح البنوك الأخرى فوراً، واجمع كافة الكمبيالات والأوراق التجارية الخاصة به في حقيبة واحدة، وحول جميع ديونه لصالحي الشخصي بحيث تصبح شركتي هي الدائن الوحيد والآمر الناهي في مصيره.”

توقف فخري لثوانٍ معدودة مذهولاً من ضخمة وحجم القرار، ثم أجاب بحماس وولاء مطلق:

“امر مطاع يا باشا… خلال ساعتين ستكون كافة عقود الديون والكمبيالات على مكتبك في التجمع الخامس.”

أغلقت الخط، واستندت بظهرى على كرسي الفاخر، ناظراً إلى صورة الطفلة الصغيرة الملقاة على حافة مكتبي.

لقد سلبني كل شيء قبل عشر سنوات: زوجتي، كرامتي، مستقبلي، وحتى طفلتي التي أخفوها عني. واليوم، لم يعد يملك شيئاً سوى اسمه الذي سأمحوه من خريطة المال والأعمال في مصر، ليعرف جيداً من هو الفاشل الحقيقي بيننا.

لم تكن سوى ساعتين بالضبط، حتى فتح الباب دون أن يطرق، ودخل ممدوح حاملاً بيده حقيبة جلدية سوداء أنيقة، ووضعها على مكتبي باهتمام بالغ.

قال بنبرة يسودها الاحترام والترقب:

“كل شيء أصبح جاهزاً يا باشا. البنك أنهى كافة إجراءات شراء وحيازة المديونيات، وأصبحت شركتنا هي الدائن الوحيد لجميع شركات وممتلكات كريم صبحي. إجمالي الديون المستحقة عليه تتجاوز سبعين مليون جنيه، وهي واجبة السداد فوراً.”

فتحت الحقيبة السوداء بعينين باردتين، وتفحصت الأوراق الرسمية والكمبيالات الموقعة بتوقيعه الشخصي وتوقيعات شركاته. كانت الفخامة والغطرسة التي عُرف بها طوال حياته قد تهاوت أمام توقيع واحد على هذه الأوراق.

رفعت رأسي إلى ممدوح وقلت بصوت حاسم:

“أرسل له إنذاراً قانونياً قضائياً فورياً بالسداد الفوري لكامل المديونية خلال أربع وعشرين ساعة، وفي حال التخلف… ابدأ فوراً بإجراءات الحجز القضائي على جميع مقرات شركاته، وفيلته في الزمالك، وأرصدته البنكية.”

أومأ ممدوح برأسه بطاعة عمياء:

“أمرك يا باشا، سيتم التنفيذ في الحال، ولن نترك له ثغرة واحدة يتنفس من خلالها.”

بمجرد أن خرج ممدوح، عدت بظري إلى الوراء وتأملت صورة الطفلة الصغيرة الملقاة على حافة مكتبي. كانت ليليان بريئة من كل هذا الصراع، لكنها الثمن الباهظ الذي دفعته عائلتها جشعاً وطمعاً.

في اليوم التالي، وفي تمام الساعة العاشرة صباحاً، وبينما كنت أراجع بعض التقارير المالية، فتح باب مكتبي بهدوء، وطلبت السكرتيرة إدخال مروة لتباشر مهام عملها الجديد. دخلت وهي تحمل بعض الملفات الإدارية، وبدت أكثر استقراراً وهدوءاً، وظهرت على محياها علامات الامتنان والراحة لأول مرة منذ سنوات.

وقفت مروة وقالت بصوت خافت ومتردد:

“أنا… أنا أشكرك يا يوسف على كل ما فعلته معي ومع ليليان. المدرسة الجديدة قبلت أوراقها، وحياتنا بدأت تأخذ مساراً آمناً لم أكن أحلم به.”

نظرت إليها مطولاً، ثم قلت بصوت هادئ ومحايد:

“أنا لا أفعل هذا لأجلك يا مروة، ولا لفتح صفحات قديمة انتهت للأبد. كل ما أريده هو أن تنشأ ابنتي في بيئة مستقرة، بعيداً عن الفقر والجوع الذي جرستموني إليه. أما بالنسبة لكريم… فوقت الحساب قد حان وصار واجباً.”

قبل أن تتمكن مروة من الرد أو استيعاب ما تعنيه جملتي الأخيرة، صدح صوت الهاتف المحمول الخاص بي على المكتب برقم مجهول.

ظننت في البداية أنه أحد مديرين التنفيذيين، لكنني نظرت إلى الشاشة فرأيت رقماً خاصاً تتكرر اتصالاته بإلحاح شديد.

ضغطت على زر الرفع ووضعت الهاتف على أذني، وجاءني صوت من الطرف الآخر… صوت كان مألوفاً تماماً قبل عشر سنوات، لكنه اليوم يبدو مرتعشاً، مكسوراً، وتملؤه الهلع والخوف الأعمى.

قال الصوت من الطرف الآخر بصوت متقطع:

“أنا… أنا كريم صبحي… أريد مقابلة الدون ريد حالاً… البنوك أغلقت حساباتي، والحجز شمل كل ما أملك… أرجوك، من تكون بحق الله؟ وماذا تريد مني؟!”

ابتسمت ببطء شديد، ووجهت نظري نحو مروة التي شحب وجهها وارتجفت يداها فور سماع اسم كريم من الهاتف، ثم قلت بصوت هادئ ومرعب:

“أهلاً بك يا صديقي القديم… العشاء الذي وعدتك به طوال السنوات العشر الماضية أصبح جاهزاً، وتعال إلى مكتبي هنا في التجمع الخامس… لتتعرف عن قرب على الفاشل الذي صنع إمبراطوريته من جديد.”

#حكايات_شروق_خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى