منوعات

المصيدة حكايات شروق خالد

“اخرسي يا غبية!”
بس كان الأوان فات.. التسجيل كان شغال وبيلتقط كل اعتراف طالع من بؤهم.
في لحظتها، الباب التاني للعمارة اتكسر، وصوت خطوات العساكر والضباط كانت بتهز السلم:
“شرطة! محدش يتحرك من مكانه!”
دخل الظابط الأوضة، والمنظر كان كفيل يوضح كل حاجة: أمي مربوطة بحبال، الشقة متوضبة على أحدث طراز من فلوس شقايا، والوثائق المزورة مفروشة على السرير.
الظابط بص لحسام وهدى وقال للعساكر:
“اتحفظوا عليهم وعلى كل الورق ده فوراً!”
حسام حاول يتلوى ويصرخ:
“دي مشاكل عائلية يا باشا! دي مراتي وبنحل الخلافات اللي بيننا!”
الظابط بصله بجمود:
“تزوير توكيل رسمياً، والشروع في قتل، واحتجاز مواطنة بدون وجه حق، وبوليسة تأمين مشبوهة.. دي مش خلافات عائلية يا حيلتها، دي جناية عقوبتها المؤبد!”
العساكر كلبشوا حسام وهدى وهم بيصرخوا ويدعوا على بعض، وكل واحد فيهم بيحذف التهمة على التاني عشان ينفد بجلده.
أول ما الأوضة فضيت، نزلت على ركبتي وجبت مقص من المطبخ وفكيت الحبال من إيدين أمي ورجليها بالراحة.
أمي اترمت في حضني وهي بتعيط بحرقة:
“يا بنتي.. كنت خايفة أموت قبل ما أشوفك.. كانوا حاطين لي السم في الأكل والمية تدريجياً عشان يبان إنه موت طبيعي بسبب كبر السن، ولما أرفض آكل كان يربطوني كدة!”
دموعي نزلت، بس كانت دموع قوة ومش ضعف. مسحت دموعها وقلتلها:
“حقك رجع يا أمي، والفلوس اللي شقيت بيها في الغربة مستنية في حسابي المقفول في قطر، مش هيطولها كالب ولا خاين. من النهاردة مش هتبعدي عن عيني ثانية واحدة.”
نزلت مع الإسعاف اللي نقلت أمي للمستشفى عشان تتطمن عليها، ومن هناك على شقتنا القديمة اللي كنت مأجراها باسمي من زمان ومحدش يعرفها.
بعد شهرين، كانت الجلسة الأولى في المحكمة. القاضي أخد بالحق، والتسجيلات والتحويلات البنكية كانت المسمار الأخير في نعش حسام وعيلته.
حسام أخد 15 سنة سجن مشدد، وهدى أخدت 7 سنين مشاركة في الجريمة والتزوير.
خرجت من المحكمة وأنا ماسكة إيد أمي، اللي بدأت تسترد عافيتها وصحتها وترجع تبتسم من تاني.
بصيت للسما وقلت:
“ربنا ما بيمسحش دموع المظلوم، بس بيبعت له وقت الحساب في اللحظة المناسبة بالظبط.”
#حكايات_شروق_خالدعدت سنتين على يوم محاكمة حسام وهدى.. سنتين من الهدوء والسلام اللي حرمت نفسي وأمي منهم لسنوات في الغربة.
الشقة القديمة بتاعتنا بقت دافية ومليانة حياة من تاني. أمي رجعت تمشي على رجليها بفضل الله وثم الجلسات المنتظمة للعلاج الطبيعي، وصحتها بقت ممتازة والابتسامة ما بتفارقش وشها.
الفلوس اللي كنت محوشاها في بنك قطر ما راحتش هدر؛ فتحت بيها مشروع صغير لتوريد المستلزمات الطبية ودور الرعاية، وسميته “مؤسسة فاطمة” على اسم أمي. بقت شركتي هي اللي بتقدم الدعم للمسنين الغلابة اللي مالهمش حد، وبوفر لهم ممرضات ورعاية صحية بجد، مش مجرد كلام وفلوس بتتسرق في الخفاء.
في يوم، كنت قاعدة مع أمي في البلكونة بنشرب الشاي بعد العصر، وموبايل المحامي رن.
“أهلين يا أمل.. حبيت أبلغك إن طلب الاستئناف اللي قدمه حسام وربطه بالصلح اترفض تماماً من المحكمة، والحكم بقى نهائي وبات.”
أمي بصتلي وسألتني: “مين يا بنتي؟”
ابتسمت لها ومسكت إيدها الداعية: “ده المحامي يا أمي.. بيقول إن الصفحة اتقفلت للأبد، ومافيش حد يقدر يضايقنا تاني.”
أمي رفعت إيدها للسما وقالت بقلب مليان رضا:
“الحمد لله يا بنتي.. ربنا يحفظك ويحميكي، والحمد لله إنك رجعتِ في الوقت المناسب وربنا جعل في رجوعك حياة ليا.”
بصيت لأمي وحسيت إن كل نقطة عرق نزلت مني في قطر، وكل لحظة خوف وعذاب عشتها في البيت ده، ربنا عوضني عنها براحة البال والرضا.
وعرفت إن الحق لو اتأخر شوية، فهو بيرجع في الوقت المظبوط بالمليم والكرامة!

المصيدة
حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى