
“قالتلي إنها لقت حاجة ما كانش ينفع تشوفها أبداً.”
“إيه هي؟”
“عمرها ما قالتلي.”
“قالتلك إيه بالظبط؟”
ريقي جف.
“قالتلي لو جرالي أي حاجة، أوعي تثقي في أول واحد يجي يسأل على رقية.”
وش طارق اتقلب مية وثمانين درجة.
وقبل ما حد فينا ينطق بكلمة، خبط هبد ورزع خطوات تقيلة جرت في الطرقة.
حد قعد يخبط بغشامة على باب الأوضة المقفول.
“يا أستاذ طارق!”
طارق قام واقف في ثانية.
الراجل زعق من بره:
“فيه حد واقف على البوابة بره وبيتخانق بيسأل على البنت!”
طارق اترمى جرا، والكرسي بتاعه اتقلب ورا ضهره على الأرض.
“اقفلوا كل البوابات فورًا ومحدش يدخل!”
حضنت رقية بأقصى قوة عندي.
لأن تحذير إيمان ما بقاش مجرد كلام واحدة خايفة من الماضي…
ده كان طالع كأنه رسالة متفصلة مخصوص عشان اللحظة دي بالذات.
فضلنا أنا ورقية محبوسين جوة الأوضة، صوت المطر بره بيمطر بغزارة، وصوت صريخ وجري العمال في الجنينة بره قالب البيت.
قلبي كان بيموت من الخوف، ورقية بدأت تتململ في حضني كأنها حاسة برعب الأم اللي فارقتها.
فجأة، صوت الخبط على البوابة بره هدي، وشوية وصوت الخطوات رجع تاني للطرقة، بس المرة دي كانت خطوات واحدة بس… بطيئة، وتقيلة.
أكرة باب الأوضة اتلفت بالراحة.
دخل طارق، بس ما كانش لوحده. كان وراه راجل طويل لابس بدلة سودا وشعره متسرح بانتظام، وعلى وشه ابتسامة باردة تخوف.
طارق بصلي بنظرة غموض وقال بصوت مبحوح:
“أميرة… ده دكتور شريف، المحامي بتاع إيمان الله يرحمها. هو اللي كان واقف على البوابة بره.”
الراجل قرب خطوة من الكرسي اللي أنا قاعدة عليه، وبص لرقية بنظرة غريبة، وبعدين بصلي وقال بنبرة هادية بس سم:
“أهلاً يا أميرة… أخيرًا تقابلنا. إيمان كانت دايماً بتحكيلي عنك.”
جسمي كله اتجمد. إيمان عمرها ما كانت بتقول اسم “أمينة” لأي حد غيري أنا وأمها، والراجل ده بيقول إنه يعرفني؟
شريف كمل كلامه وهو بيطلع مظروف أبيض من جيب جاكتته:
“أنا جيت بسرعة أول ما عرفت إن فيه خادمة جديدة جت البيت، لأن إيمان سيبالي وصية رسمية ومقفولة، ولازم تتفتح قدام الطفلة… وقدامك انتِ بالذات.”
طارق استغرب: “قدام أميرة؟ ليه؟”
شريف بصلة ببرود وقال: “لأن الوصية فيها السر اللي إيمان ماتت بشببه يا طارق بيه… والسر ده مش هيتفك غير بالحسنة اللي على إيد البنت، والكلمة اللي أميرة قالتها أول ما دخلت.”
في اللحظة دي، تلفون طارق رن. بص في الشاشة ووشه أصفر أكتر من الأول. رد وصوته بيرعش: “ألو؟”
صوت من التلفون كان عالي كفاية إني أسمعه، كان صوت ظابط شرطة:
“طارق بيه؟ إحنا بنبلغك إن المحامي بتاع مدام إيمان، دكتور شريف، اتلقى مقتول في شقته من ساعتين!”
بصيت للراجل اللي واقف قدامي بالبدلة السودا… ابتسم ابتسامة عريضة، وطلع من جيبه مسدس وسحبه بسرعة وهو بيبصلي وبيقول:
“هاتي البنت يا أميرة… بالرضا أو بالغصب.”
#حكايات_شروق_خالدأنفاسي اتجمعت في زوري والدم اتجمد في عروقي. طارق كان واقف متسمر والتليفون في إيده، مش قادر يستوعب إن الراجل اللي واقف قدامنا ده مش هو المحامي أصلاً، وإن المحامي الحقيقي المقتول في شقته من ساعتين!
الراجل المزيف وجه المسدس ناحية طارق الأول وقال ببرود مرعب:
“نزل التليفون ده خالص يا طارق بيه، وما تخلينيش أضطر أفرغ الخزنة دي في دماغك قبل ما آخد البنت وأمشي.”
طارق رفع إيده بالراحة وخطى خطوة لورا، عينيه كانت بتتطوح بين المسدس وبين رقية اللي في حضني. بصلي وقال بصوت واطي ومبحوح:
“أميرة… ما تحركيش.”
“مين أنت؟” طارق سأله وهو بيحاول يكسب وقت، “وإيمان كانت شايلة إيه يخليك تقتل عشان توصل له؟”
الراجل ضحك ضحكة مكتومة وسيئة، وعينيه ما فارقتش رقية:
“مراتك كانت فضولية زي عن اللزوم يا طارق بيه… دخلت في حاجات أكبر منها بكتير. افتكرت إنها لما تخبي الهارد ديسك وتعمل له تشفير مش هيتوصل له، وما كانتش تعرف إن فك التشفير محتاج بصمة الصوت بتاعة الكلمة السرية… ونقشة التشفير الرقمي المطبوعة على شريحة دقيقة متخبية تحت الجلد في معصم البنت!”
أنا شهقت وضمت رقية لصدري أكتر. الشامة اللي على شكل هلال! دي ما كانتش حسنة طبيعية… دي كانت شريحة متخبية تحت جلدها!
“إيمان زرعتها في إيد بنتها أول ما اتولدت وهي في المستشفى…” الراجل كمل كلامه وهو بيقرب خطوة مني، “وكانت عارفة إن أميرة الوحيدة اللي حافظة نبرة اسم ‘أمينة’ بالظبط زي ما كانت بتناديها وهي صغيرة. بصمة صوت أميرة + الشريحة اللي في إيد رقية = الوصول لكل حسابات وإثباتات الشبكة اللي مراتك شغالة معاها.”
فجأة، صوت صفارات أمن البيت بره ضربت بصوت عالي جداً، وأنوار الأوضة قطعت والكهربا اتفصلت عن الفيلا كلها!
الأوضة بقت ضلمة كحل، ما فيش غير نور البرق اللي بيضرب في الشباك كل كام ثانية.
في لحظة الضلمة دي، طارق اترمى بغشامة على الراجل وسحب جسمه للأرض! صوت ضربة نار دوت في الأوضة وكسرت إزاز الشباك!
“جري يا أميرة!” طارق زعق بعالي صوته وهو ماسك إيد الراجل اللي فيها المسدس وبيحاول يثبته على الأرض، “اخدي رقية واطلعي بره البيت فوراً!”
ما فكرتش ولا ثانية. قمت من الكرسي وأنا حاطة رقية جوه جاكيتتي ومغطية راسها بإيدي، وجريت من باب الأوضة المفتوح على الطرقة الضلمة.
كنت سامعة صوت عراك حيواني جوة الأوضة، وصوت كراكيب وكرسي بيتكسر. جريت ناحية السلم الخلفي بتاع الخدامين اللي بيودي على المطبخ والبوابة الخلفية.
رجلي كانت بتخبط في الدرج بسرعة، والمطر بره كان بيصوت مع الهواء.
أول ما وصلت باب المطبخ اللي بيطلع على الجنينة اللي ورا، سمعت صوت خطوات سريعة جداً نازلة على السلم ورايا…
وبعدها صوت طارق وهو بينادي بنبرة متقطعة وكأنه بيتخنق:
“أميرة… أوعي تخرجي من الباب ده!”
#حكايات_شروق_خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



