روايات وقصص

حظاظة بمليون جنيه#حكايات_شروق_خالد

طلعت عقود البيع والشراء والشرك الأقدم، وقصاد عينيهم، كتبت كل المحلات والأملاك الكبيرة في “وقف خيري” يتصرف منه على الفقراء والمحتاجين، وكتبت بيت كبير باسم مريم وأمها، مع مبلغ يضمن تعليم البت لحد ما تتخرج من أكبر كليات.

عيالي اتجننوا، قعدوا يصرخوا ويتهموني بالكبر وزهايمر السن.

بصيت لابني الكبير وقلتله:

«أنا أديتكم فلوس وشركات وعلمتكم في أكبر مدارس، بس نسيت أزرع فيكم أهم حاجة… نظافة القلوب. الفلوس اللي كنتم خايفين تتسحب منكم، أنا وزعتها على اللي يستاهلها.»

طردتهم كلهم من بيتي، ولأول مرة حسيت إن قلبي خفيف.

مريم كبرت وبقت دكتورة قد الدنيا، وفضلت لحد آخر يوم في عمري تعاملني كإني أصلها وأبوها. أما الحظاظة البلاستيك دي؟ فضلت في إيدي، وما فارقتنيش لحد ما قابلت وجه كريم… وأنا مقتنع إن القيمة الحقيقية مش في اللي بتجمعه في جيبك، لكن في اللي بتسيبه في قلوب الناس.

بعد ما سلمت أمانتي، الناس في المنطقة كانوا فاكرين إن حكايتي خلصت لما عيالي مشيوا مطرودين وأنا كتبت أملاكي للخير وللي يصونها.

بس الدنيا ما بتسيبش حد في حاله.

عيالي ما سكتوش. الفلوس تعمي القلوب، وغلّهم كان عمال يزيد كل يوم.

ابني الكبير راح للمحامين وعمل قضايا حجر عليا، وكان بيحاول يثبت بأي طريقة إني خرفت أو إن الست الغلبانة فاطمة وبنتها استغلوا كبر سني وضغطي النفسي عشان يضحكوا عليا وياخدوا البيت والوقف.

في يوم، جالي المحامي بتاعي وشة أصفر، قال لي:

«يا حاج إبراهيم، ابنك مجمع شهادات طبية مضروبة ومقوم الدنيا، والمحكمة طالبة تعين لجنة تشوف قواك العقلية، وغير كده.. بدأوا يضايقوا فاطمة ومريم في الشارع عشان يطفشوهم.»

ساعتها، النار اللي جوة الحاج إبراهيم العجوز ولعت تاني، بس المرة دي مش عشان فلوس ولا نفوذ.. عشان حق البت اللي رجعت لي روحي.

نزلت بنفسي للشارع، من غير حراسة ولا هيلمان. وقفت وسط السيدة زينب، والناس كلها اتجمعت حوليا.

الناس اللي أنا ساعدتهم في الوقف، والشباب اللي فتحت لهم بيوت، والغلابة اللي كانوا بيلاقوا لقمتهم من خير ربنا ثم خيري.

قلت لهم بصوت هز الشارع:

«أنا إبراهيم اللي عشتم في حمايته سنين.. عيالي جايين ياخدوا اللقمة من بوق الغلابة ويقولوا عليا مجنون، عشان بس اخترت أتقي ربنا في أواخر أيامي.»

الشارع كله قام وما قعدش. الشيوخ والشباب وقفوا ضدهم، والمحكمة لما شافت حشد الناس وشهادات أهل المنطقة كلهم، ومعاينة اللجنة الطبية اللي أثبتت إني بأتم عقلي، اترفضت القضايا كلها وأترمت في الوش.

ابني الكبير حاول يجي يترجاني بعد ما السمعة والفضايح لاحقتهم في كل مكان، وقف تحت البيت يعيط ويقول لي:

«سامحني يا أبا، الشيطان دخل بينا.»

بصيت له من البلكونة، وأنا لابس الحظاظة في إيدي، وقلت له:

«أنا مسامحك في حق نفسي يا بني.. بس مش هأمنك على حق ربنا ولا حق الفقراء. أنت جيتلي لما افتكرت إني بموت عشان تاخد، إنما البت دي جتلي وهي فاكرة إني خايف عشان تدي. اخرج من حياتي ويعوض عليك ربنا في فهم الدنيا.»

ومرت السنين..

مريم كبرت، وكانت كل يوم ترجع من كليتها تبوس إيدي وتقول لي:

«شفت يا عمو إبراهيم؟ الحظاظة طلعت بتجيب شجاعة بجد، أنا بقيت دكتورة أهو!»

كنت أبتسم وأقول لها:

«لا يا مريم.. الحظاظة دي ما جابتش شجاعة، دي علمتني إن أفقر بني آدم في الدنيا هو اللي معندوش غير الفلوس، وأغنى بني آدم هو اللي في قلبه رحمة.»

وعشت باقي أيامي في راحة بال ما دوقتهاش وأنا عندي الملايين، وعرفت إن ربنا ما بيسيبش حد، وإن الخير اللي بتزرعه في قلب طفل.. بيفضل مظلل عليك لحد ما تقابل وجه كريم.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى