روايات وقصص

شبح الخوف ج1

“نعم؟”

قلت:

“إنت عارف أنا عايزة إيه؟”

سكت وهو باصصلي.

وبعدين قال بهدوء:

“قوليلي.”

نزلت عيني للحظة، وبعدين رفعتها تاني.

وقلت:

“عايزة أبطل أخاف من كلام الناس.”

فضل ساكت.

قربت منه أكتر، وحطيت إيدي على صدره.

وقلت:

“وعايزة أعرف الراجل اللي أنا اتجوزته بجد… مش الراجل اللي الناس رسمته في دماغي.”

ياسين فضل باصصلي من غير ما يتكلم.

وبعدين مسك إيدي بحذر شديد، كأنه خايف حتى يضغط عليها.

وقال:

“يبقى خلينا نبدأ من هنا.”

ولأول مرة من ساعة ما دخلنا البيت، حسيت إن الخوف اللي كان مالي قلبي بدأ يختفي.

لأن الراجل اللي الكل كان بيحذرني منه… كان هو نفسه أكتر واحد حريص إنه ما يوجعنيش.

فضلنا قاعدين في أوضة النوم، ولا واحد فينا بيتكلم.

الصمت اللي بينا كان غريب.

مش صمت خوف زي الأول… لأ، كان صمت اتنين لسه بيكتشفوا بعض من جديد، رغم إننا عارفين بعض بقالنا سنتين.

ياسين كان قاعد على طرف السرير، وأنا قاعدة قصاده.

بصيتله وقلت:

“إنت ليه طول الوقت بتعاملني كأني هتكسر؟”

رفع حاجبه.

“أنا؟”

“أيوه إنت.”

ضحك ضحكة صغيرة.

“إنتِ اللي جسمك صغير أوي.”

“يعني إيه؟”

“يعني لو حضنتك جامد شوية هتختفي جوايا.”

ضربته بخفة على كتفه.

“يا قليل الأدب.”

ضحك.

وأول مرة أشوفه بيضحك بالشكل ده من غير ما يكون حذر أو متوتر.

وبعدين فجأة ملامحه اتغيرت.

قال:

“بس بجد يا ندى… أنا عمري ما عايزك تحسي إنك ضعيفة جنبي.”

بصيتله.

“أنا فعلًا ضعيفة جنبك.”

هز راسه.

“جسمك أصغر، آه.”

وسكت لحظة.

“بس ده مش معناه إنك أضعف.”

قلت:

“وأنا عمري ما حسيت إنك بتستغل فرق الحجم بينا.”

رد:

“لأني بحبك.”

الكلمة نزلت على قلبي بهدوء.

مع إن ياسين قالها مئات المرات قبل كده… لكن المرة دي كانت مختلفة.

يمكن عشان لأول مرة فهمت معناها.

قمت من مكاني، وروحت ناحية السرير.

قعدت عليه، وبصيتله.

“تعالى.”

وقف.

ولما وقف قدامي حسيت فعلًا قد إيه هو ضخم.

رفع عينه للسقف تقريبًا عشان يبصلي.

ضحكت.

“إنت طويل أوي.”

قال:

“وأخيرًا اعترفتي.”

“بس متبسطش.”

“ليه؟”

“عشان أنا هجيبلك كرسي كل ما نتخانق.”

ضحك.

وقعد جنبي.

المرتبة نزلت تحت وزنه، وأنا اتحركت ناحيته من غير ما أحس.

ياسين لاحظ.

لكنه ماعملش أي حركة.

فضل ساكت.

فأنا اللي سندت راسي على كتفه.

حسيت جسمه كله اتشد للحظة.

قلت:

“إيه؟”

قال بصوت واطي:

“مبسوط.”

“من إيه؟”

“إنك إنتِ اللي قربتي.”

ابتسمت.

وبعدها فضلنا ساكتين.

لحد ما فجأة سمعنا صوت خبط جامد على باب الشقة.

اتخضيت.

ياسين قام في لحظة.

ملامحه اتغيرت تمامًا.

الراجل الهادي اللي كان من شوية بيضحك معايا اختفى.

قال:

“اقفلي الباب ورايا.”

“مين؟”

“مش عارف.”

اتجه ناحية الباب.

قلت بسرعة:

“ياسين، استنى.”

وقف.

بصلي.

“إيه؟”

“خليك هنا.”

قال:

“لازم أعرف مين.”

“أنا خايفة.”

رجعلي على طول.

قعد قدامي وقال:

“بصيلي.”

بصيتله.

“طول ما أنا موجود، محدش هيقرب منك.”

قبل ما أرد، جه خبط تاني.

المرة دي أعنف.

ياسين قام.

مشى ناحية الباب، وبص من العين السحرية.

وبعدين رجع خطوة.

وشه كان متغير.

قلت:

“مين؟”

ما ردش.

قربت منه.

“ياسين… مين؟”

قال بصوت منخفض:

“أخويا.”

اتوترت.

“محمود؟”

هز راسه.

“أيوه.”

“في الوقت ده؟”

بص في الساعة.

“الساعة داخلة على نص الليل.”

الخبط اتكرر.

ياسين فتح الباب فتحة صغيرة.

صوت محمود جه من بره:

“ياسين… افتح.”

فتح الباب.

دخل محمود بسرعة، وكان وشه شاحب.

أول ما شافني، وقف.

وبص لأخوه.

وقال:

“إنت لازم تعرف حاجة.”

ياسين قفل الباب.

“قول.”

محمود بلع ريقه.

“الموضوع اللي حصل زمان… بتاع المستشفى…”

ياسين اتجمد.

“ماله؟”

محمود بصلي.

وبعدين بص لأخوه.

“أبويا مكانش قالك الحقيقة كلها.”

سكتت الدنيا.

ياسين قرب منه خطوة.

“يعني إيه؟”

محمود قال:

“أنا موقعتش بسببك.”

ياسين فضل باصصله.

“إيه؟”

“أنا كنت مصاب قبلها.”

“محمود…”

“كنت وقعت لوحدي، وإنت جيت تحاول تساعدني.”

ياسين رجع خطوة.

كأنه اتضرب في صدره.

“إنت بتقول إيه؟”

محمود قرب منه.

“أبويا خلاك تفتكر إنك السبب.”

صوت ياسين اتهز:

“ليه؟”

محمود بص في الأرض.

“عشان كان خايف عليك.”

“فخوفه عليا دمر حياتي؟”

محمود سكت.

ياسين حط إيده على رأسه.

وفجأة فهمت.

كل السنين اللي عاشها وهو خايف من قوته…

كل مرة كان بيبعد فيها عن أي حد…

كل مرة كان بيحرم نفسه من حاجات بيحبها…

كل ده كان مبني على كذبة.

قربت منه.

مسكت إيده.

كان واقف ساكت، وعينيه مليانة وجع.

قلت:

“ياسين… بصلي.”

رفع عينه.

قلت:

“إنت مش وحش.”

هز راسه كأنه مش قادر يستوعب.

قربت أكتر.

“وإنت مش خطر.”

دمعة نزلت من عينه.

أول مرة أشوف ياسين بيعيط.

مسحها بسرعة.

لكن أنا مسكت إيده ومنعته.

وقلت:

“سيبها تنزل.”

فضل ساكت.

وبعدين حضني.

حضنني بحذر شديد.

وأنا لأول مرة… حضنته أنا كمان بكل قوتي.

وفي اللحظة دي، ياسين فهم إن أكبر معركة عاشها طول عمره… مكنتش مع الناس.

كانت جواه هو.

فضل ياسين واقف في مكاني، وأنا لسه ماسكة إيده، ومحمود واقف قصادنا مش عارف يقول إيه.

الصمت كان تقيل أوي.

لحد ما ياسين قال بصوت مبحوح:

“يعني أنا قضيت أكتر من عشرين سنة فاكر إني ممكن أأذي حد… بسبب كذبة؟”

محمود نزل عينه.

“أيوه.”

ياسين ضحك ضحكة قصيرة، بس كانت مليانة وجع.

“وأبويا كان عارف؟”

محمود هز راسه.

“كان عارف.”

“وإنت؟”

“عرفت من كام شهر.”

ياسين بصله بحدة.

“ومن كام شهر وإنت ساكت؟”

محمود اتوتر.

“كنت خايف أقولك.”

“خايف من إيه؟”

“من رد فعلك.”

ياسين سكت.

وبعدين قال:

“أنا عمري ما خفت من نفسي قد ما الناس خافت مني.”

الكلمة وجعتني.

قربت منه وقلت:

“بس دلوقتي عرفت الحقيقة.”

بصلي.

“الحقيقة مش هتمسح السنين اللي فاتت يا ندى.”

قلت بهدوء:

“لأ، بس ممكن تغير السنين اللي جاية.”

فضل باصصلي.

وبعدين محمود قال:

“أنا جيتلك الليلة دي عشان في حاجة تانية لازم تعرفها.”

ياسين اتشد.

“إيه؟”

محمود طلع موبايله من جيبه.

“أبويا قبل ما يموت ساب تسجيل.”

ياسين اتجمد.

“تسجيل؟”

“أيوه.”

محمود فتح التسجيل.

وصوت والدهم خرج من الموبايل.

صوت راجل كبير، تعبان، بس واضح.

“ياسين… لو بتسمع الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود.”

ياسين فضل ساكت.

الصوت كمل:

“أنا ظلمتك.”

إيد ياسين شدت على إيدي.

“اليوم اللي حصل فيه اللي حصل لمحمود، كنت عارف إنك مالكش ذنب.”

صوت الراجل اتكسر.

“بس أنا كنت خايف عليك.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى