روايات وقصص

الفطار الأخير ج1

قررت أعمل حاجة بسيطة، بس متقنة بالملي. عملت بيض عيون بس مستوي بنسبة 100% بحيث الصفار ما يسيلش أو يلغبط (عشان قوام الأكل)، وتحمصت التوست بدرجة ذهبية مظبوطة جداً. وحطيت قطع الأفوكادو والخيار مقطعة مكعبات متساوية بالمسطرة في أطباق صغيرة منفصلة. والصوصات — مربى وبسطرمة متحمرة ناشف — كل حاجة في طبق لوحدها عشان مفيش حاجة تلمس الثانية. بالنسبة لسليم، قطعتله التوست على شكل مربعات متساوية، مع شوية خيار مقشر ومغسول كويس.

قبل السابعة بدقيقتين، كان الفطار محطوط على الترابيزة الرخام اللي في السفرة. الساعة جابت سبعة بالثانية، يوسف نزل. نزل وهو ماسك ملفات في إيده، قعد على رأس الترابيزة من غير ما ينطق ولا كلمة. بص للطبق. الهدوء كان سيد المكان.

يوسف مسك الشوكة والسكينة. بص للبيض، للتوست، وللأطباق الصغيرة اللي فيها كل مكون لوحده. عينه راحت للتقطيعة المظبوطة والمساحات الفاضية بين كل طبق وطبق. خد أول قطمة. مضغ ببطء شديد. عينه غمضت لثانية واحدة.. ثانية واحدة بس، بس أنا لقطتها. الراجل ده بقاله سنين مابياكلش أكل طعمه حلو ومعمول بنظام يريّحه من غير ما يجبره يطلب التفاصيل دي.

سليم كان بياكل التوست بتاعه بالراحة، ولما يوسف بص ناحيته، سليم بصله وقال بصوت واطي: “الأكل مش متلخبط.” يوسف ساب الشوكة بالراحة، وبص لسليم، وبعدين بصلي. النظرة المرة دي ماكنتش باردة زي الأول. كان فيها اندهاش.

“أنتي عملتي ده إزاي؟” يوسف سأل بصوت هادي. قلتله وأنا ماسكة إيد سليم: “سليم عنده اضطراب معالجة حسية. الأكل لما بيتمزج ببعضه أو يكون قوامه مش معروف، بالنسبة له بيبقى مصدر قلق كبير.. أنا متعودة أفهم اللغة دي من غير ما تتقال.”

يوسف فضل ساكت. السكوت المرة دي ماكانش يخوف.. كان سكوت بني آدم اتفهم لأول مرة في حياته من غير ما يشرح ولا يدافع عن نفسه. حط الفوطة جنب الطبق، وقام وقف. بصلي وقال بصوت هادي بس محدد: “المواعيد زي ما اتفقنا.. هتبدأي من بكره.” وبص لسليم وقاله: “الخط الأسود في الرخام.. هيكمل بكره يا سليم.”

خرج يوسف من السفرة، وأنا حطيت إيدي على قلبي واتنفست لأول مرة من ساعة ما دخلت الفيلا. الفطار ده ما كانش مجرد أكل، كان المفتاح اللي فتح أول باب في قصر مقفول بالضبة والمفتاح.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى