
داغر وقف مشدوه ثواني مش عارف يرد. البنت كانت بتتكلم بفقر كاسر ظهرها، بس عينيها فيها ثقة تهز جبال.
شروق طأطأت راسها ورجعت لوراء خطوتين، وسابت عمر عينيه متعلقة بيها. بصت لداغر وقالت بصوت هادي: “العنوان إيه؟”
ملّاها داغر عنوان الفيلا في الشروق بصوت متلخبط، ومشيت البنت بخطوات سريعة وراء شجر الحديقة واختفت، كأنها كانت طيف وراح.
طول الطريق للبيت، عمر ما نطقش ولا كلمة، بس عينية ما كانتش مطفية زي كل يوم. كان باصص من شباك العربية للشارع، وأيديه الصغيرة بتتحرك حركة خفيفة على ركبتيه كأنه لسه بيلعب المزيكا اللي شروق دندنتهالها.
داغر كان بيسوق وإيديه بتتعدل على الدركسيون كل ثانية. الراجل اللي بيهز سوق المقاولات والشركات، مش قادر يجمع أفكاره. مين شروق دي؟ وإزاي كلمتين منها عملوا اللي فشل فيه أشهر أطباء المخ والأعصاب؟
تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالظبط، الباب الخارجي للفيلا رن.
داغر كان قاعد في الصالون بيشرب قهوته واللابتوب مفتوح قدامه، بس عقله مش في شغل خالص. أول ما الأمن بلغوه إن في بنت برة، قالهم يدخلوها فوراً.
دخلت شروق.
كانت لابسة نفس القميص ونفس الجيب الطويلة المقطوعة من الطرف، بس المرة دي كانت حافية برضه. أقدامها المتوسخة سابت أثر خفيف على السجاد الإيراني الغالي اللي مفروش في المدخل.
داغر قام وقف: “صباح الخير.. اتفضلي يا شروق.”
شروق بصت للبيت الفخم بذهول بسيط، بس ما ادتش للموضوع أكبر من حجمه. بصت لداغر وقالت على طول: “فين عمر؟”
“فوق في أوضته.. الممرضة بتحضرله الفطور.”
شروق هزت راسها: “خليني أطلعله.. بس قبل ما أطلع، عاوزة أوريك حاجة.”
طلعت من جيبها كشكول قديم أوراقه صفراء ومربوط بأستيك مطاط. حطته على الترابيزة الرخام قدام داغر.
“إيه ده؟” داغر سأل وهو بيبص للكشكول بشك.
“ده كشكول أختي ميار.. ميار كان عندها تسع سنين لما أمي مشت وسابتنا. أختي صحيت الصبح ملقتش أمي، ومن يومها رجليها اتجمدت. الدكاترة قالوا شلل أطفال، وقالوا ضمور، وقالوا كلام كتير بفلوس كتيرة. بس الحقيقة كانت في الكشكول ده.”
داغر مد إيده ببطء وفتح الكشكول.
كانت رسومات أطفال، بس مرعبة. رسمة لبنت واقفة في الضلمة ورجليها مربوطة بجبال وسلاسل تقيلة، وتحت الرسمة مكتوب بخط عيل صغير: لو مشيت، أمي هتمشي أبعد.. لو وقفت مكاني، يمكن ترجع تدور عليا.
داغر حس ببرودة سرت في ظهره.
شروق قالت وهي بصاله بثبات: “ميار كانت فاكرة إنها لو كبرت ومشت، أمنا هتنساها أسرع. كانت حابسة نفسها في الكرسي عشان تفضل العيلة الصغيرة اللي محتاجة أمها. عمر مش عاجز يا بيه.. عمر خايف لو وقف على رجليه وبقى كويس، يتقال إن خلاص حياتكم مشيت من غير أمه، أو إنك إنت كمان تسيبه لما تلاقيه كبر وما بقاش محتاجك.”
الكلمات نزلت على داغر زي الصاعقة. افتكر الأيام اللي فاتت، افتكر لما كان بيحاول يمثل إنه قوي قدام عمر ويقوله “إحنا مش محتاجين حد، إحنا هنعيش لوحدنا ونبقى أقوياء”. افتكر إنه كان بيحاول يمسح وجود شاهيناز تماماً من البيت كأنها ما كانتش.
“إنتي عرفتي كل ده منين؟” داغر سألها بصوت مجهد.
“عشتها..” شروق قالتها بابتسامة وجع. “ميار قعدت سنتين في الكرسي.. لحد ما فهمتها إن مشيها مش هيطرد ذكرى أمي، وإنها لما تقف على رجليها، هتسندني أنا.”
في اللحظة دي، صوت حركة الكرسي المتحرك ظهر فوق عند السلم. الممرضة كانت بتزق عمر باتجاه الأسانسير الداخلي.
أول ما عمر شاف شروق واقفة تحت، عينيه لمعت وصدره بدأ يعلى ويهبط بسرعة.
شروق طلعت السلم بخطوات وسيعة، وجت لحد عنده. قعدت على ركبتيها قدام الكرسي، وطلعت من جيبها حاجة صغيرة.. شريط ستان وردي.
ربطت الشريط في إيد عمر الصغيرة، وقالتله بصوت دافي: “عارف ده إيه؟ ده شريط السرعة.. كل ما تحس إنك خايف، اضغط عليه.”
عمر مسك الشريط بجمود، وبص لشروق وقرّب منها وهمس: “هي مش هترجع صح؟”
شروق بصت في عينيه وما كذبتش عليه: “يمكن ما ترجعش.. بس باباك واقف تحت أهو، ومش هيمشي في أي حته. وإنت لازم تمشي عشان تروح معاه الملاهي اللي ووعدك بيها.”
عمر بص لداغر اللي كان واقف تحت عند السلم، عينيه مليانة دموع وحس بقلبه بيتعصر.
شروق قامت وقفت، ومدت إيدها لعمر: “يلا نرقص تاني؟”
عمر مسك إيدها.
المرة دي، شروق ما حركتش الكرسي. شروق شدت إيده برفق لفوق.
“يلا يا عمر.. خذ خطوة معايا.”
الممرضة اتخضت وقالت: “يا آنسة ده خطر عليه، الدكتور قال—”
داغر رفع إيده للممرضة عشان تسكت: “سيبيهم.”
عمر كان بيترعش. ركبتيه كانوا بيتهزوا زي ورق الشجر في الريح. جسمه كله كان بيقاوم. بص للأرض وخوف الدنيا كله في عينيه.
شروق بدأت تدندن نفس النغمة الهادية، وبصتله وقالت: “أنا ماسكاك.. مش هتقع.”
عمر غمض عينيه جامد.. وداس على رجله اليمين.
الرجل اتهزت، بس لمست الأرض بثبات.
وبعدين.. تحركت الرجل الشمال.
خطوة.
خطوة واحدة كاملة بدون مساعدة الكرسي.
داغر حط إيده على بقُه وهو مش مصدق، الدموع نزلت من عينيه بانهيار وهو بيشوف ابنه بيخطو الخطوة الثانية، وبعدها الثالثة، لحد ما وصل لطرف السلم ومسك في السور.
عمر فتح عينيه، وبص لرجليها اللي واقفين على الأرض، وبعدين بص لأبوه ونادى بصوت أعلى المرة دي: “بابا!”
داغر طلع السلم بأقصى سرعة عنده، وترمى على الأرض وحضن عمر بقوة، والولد كبش في رقبة أبوه وهو بيعيط بحرقة، كأنه بيطلع كل الحزن والخوف اللي كان كاتمه جوه قلبه الصغير طول الشهور اللي فاتت.
بعد دقائق طويلة من البكاء والحضن، داغر رفع راسه وبص لشروق اللي كانت واقفة بعيد شوية، بتبتسم في صمت والدموع في عينيها هي كمان.
قام داغر ووقف قدامها، وقال بصوت متقطع: “أنا مش عارف أقولك إيه.. ولا في فلوس في الدنيا تقدر تكافئك على اللي عملتيه.”
شروق هزت راسها وابتسمت: “أنا مش محتاجة فلوس يا داغر بيه.. أنا بس كنت محتاجة أطمن إن مافيش طفل تاني هيضيع سنين من عمره عشان خايف.”
“طب إنتي عايشة فين؟ أختك فين؟” داغر سألها باهتمام حقيقي.
شروق بصت للأرض وقالت: “أنا وميار عايشين في بيت قديم قريب من الحديقة.. أنا بشتغل أي حاجة عشان أكفي مصاريفها ومصاريف مدرستها.”
داغر مسك إيدها بامتنان وقال بثبات: “من النهاردة، إنتي وميار مسئوليتي.. إنتي مش بس رجعتيلي ابني، إنتي رجعتيلي الحياة.”
ومن اليوم ده، ما بقيتش شروق البنت الحافية اللي في الحديقة.. بقت جزء من العيلة، وبقت القصة اللي عمر بيحكيها لكل حد عن البنت اللي علمته إزاي يرقص وهو خايف، لحد ما الخوف يهرب ويمشي.
حكايات شروق خالد




