
مرت السنين بسرعة، والفيلا اللي كانت في الشروق عبارة عن مكان ساكت ومظلم زي المقبرة، بقت مليانة حركة وحياة.
داغر كتم وعده لشروق وميار. جاب ميار وشروق يعيشوا في ملحق فخم جوة الفيلا، وكفل مصاريف دراسة ميار بالكامل لحد ما دخلت كلية الطب، عشان تدرس علاج طبيعي وتساعد الأطفال اللي مروا بنفس تجربتها. أما شروق، فرفضت في الأول إنها تقعد من غير شغل، فداغر عملها مؤسسة خيرية صغيرة باسم “حكايات شروق”، كانت بتهتم بالأطفال اللي بيعانوا من صدمات نفسية وعصبية أثرت على حركة جسمهم.
عمر كبر وبقى شاب بيمشي على رجليه بثبات، بس العلامة الوحيدة اللي فضلت معاه من اليوم ده هي شريط الستان الوردي اللي شروق ربطتهوله في إيده، كان دايماً شايله في جيبه أو لافه حوالين معصمه في الأوقات الصعبة.
في يوم، كان داغر قاعد في مكتبه بيتابع شغل المؤسسة، ودخل عليه عمر وهو شايل شهادة تخرجه من كلية الهندسة.
“بابا..” عمر قالها وهو بيقرّب منه وابتسامة عريضة على وشه.
داغر قام وقف وحضن ابنه بحرارة، وعينيه دمعت زي اليوم الأولاني بالظبط: “مبروك يا عمر.. أنا فخور بيك فوق ما تتصور.”
عمر بص لأبوه وقاله: “كل ده بفضلك.. وبفضل شروق.”
في اللحظة دي، دخلت شروق الأوضة وهي شايلة أوراق المؤسسة. كبرت وبقت ست جميلة وواثقة من نفسها، بس لسه فيها نفس الحنية والبساطة بتاعت زمان.
بصت لعمر وقالتله بضحكة: “مبروك يا بشمهندس.. بس فاكر الاتفاق؟”
عمر ابتسم وطلع شريط الستان الوردي من جيبه، وقالها: “أنا عمري ما نسيت الاتفاق.. النهاردة أول يوم هبدأ أشتغل فيه بنفسي في المؤسسة، وهنعمل فرع جديد للأطفال اللي مش قادرين يدفعوا مصاريف العلاج.”
وفي المساء، اتجمعت العيلة كلها في الحديقة.. داغر، وعمر، وشروق، وميار. الحديقة اللي شهدت أول خطوة لعمر، بقت مليانة أنوار وضحكات.
عمر وقف في وسط الحديقة، وبص لشروق وقالها: “فاكرة لما قلتيلهم سيبوني أرقص معاه؟”
شروق ابتسمت وقالتله: “فاكرة طبعاً.”
عمر مد إيده لشروق، وفي خلفية المكان كانت المزيكا الهادية شغالة.. ورقصوا سوا في وسط الجنينة، مش عشان يطردوا الخوف المرة دي، بس عشان يحتفلوا بكل خطوة مشيوها مع بعض، وبكل أمل رجعوه لقلب اتكسر في يوم من الأيام.
وداغر كان واقف من بعيد، بيشرب قهوته وبيبتسم.. وهو عارف إن أحياناً المعجزات ما بتبقاش في أدوية الدكاترة، بس بتبقى في كلمة حنينة وإيد تتدد لك في أشد أوقات الضلمة.
حكايات شروق
خالد
رقصة مع الخوف
حكايات شروق خالد




