
كانت فاطمة أمهّا أصبحت هي المسؤولة الأولى عن إدارة السرايا وكل شؤونها، وأمارة داخلة واحدة من أحسن المدارس في القاهرة، وبقت جزء لا يتجزأ من البيت.”رسمة جميلة جداً يا أمارة.. أحلى رسمة شفتها السنة دي.” عُمر قالها وهو بيمسح على رأسها بالراحة. في اللحظة دي، دخل إبراهيم المكتب وابتسامة واسعة على وشّـه، ومسك في إيده ملف جديد.”مساء الخير يا باشا.
أوراق الوفد الألماني جهزت، والميعاد بكرة الساعة عشرة الصبح في الشركة.”عُمر هز رأسه: “تمام يا إبراهيم.. والورق بتاع الجمعية الخيرية اللي باسم أمارة؟”إبراهيم بص لأمارة بابتسامة: “جاهز ومتمول بالكامل يا باشا، والافتتاح الشهر الجاي.”أمارة بصت لعُمر بعينين واسعتين مليانين فرحة: “يعني الأطفال هناك هيلاقوا لعب ومدارس زيي؟””وأحسن منك كمان يا أمارة،” عُمر قالها بصوت دافي، “عشان افتكر دايماً إن أبسط كلمة منك في ليلة واحدة.
. غيرت مجرى حياة الناس دي كلها.”أمارة حضنت كشكول الرسم ابتسمت بصفاء، وطلعت تجري بره المكتب تنادي على أمها عشان توريلها الرسمة. عُمر وقف وبص من الشباك على مية النيل اللي بتلمع تحت النجوم. افتكر الليلة دي بكل تفاصيلها.. افتكر الخوف والشك والورق ، وافتكر إزاي ربنا سخر له طفلة عندها ثلاث سنين عشان تنقذه من فخ كان معمول بدقة متناهية.
سحب نفس عميق، وابتسم وهو بيقفل ملف الأوراق على مكتبه. لأول مرة من سنين طويلة.. كان حاسس براحة بال مطلقة، وبإن السرايا أخيرًا بقت بيت بجد، مش مجرد ساحة حرب لحسابات القديمة.#حكايات_شروق_خالدمرت الأيام والسنوات هادئة في السرايا، حتى جاء ذلك المساء الشتوي بعد عامين من افتتاح الجمعية الخيرية. كان عُمر يجلس في مكتبه يتابع حركة التجارة في السوق عبر شاشات الحاسوب، حين سمع طرقاً خفيفاً متعدداً على الباب.
لم تكن طرقة إبراهيم المعتادة، ولا طرقة فاطمة الحذرة.”ادخل يا أمارة.”فتحت أمارة الباب وهي الآن في العاشرة من عمرها، ترتدي زيها المدرسي الأنيق، وبدت على وجهها ملامح جادة تشبه إلى حد كبير تلك الملامح التي انطبعت على وجهها الصغير قبل سنوات طويلة.”عمو عُمر.. فيه حد تحت عند البوابة البرانية.”عُمر عقد حاجبيه واعتدل في جلسته:”مين يا أمارة؟ إبراهيم بره ولا فين؟
“”عمو إبراهيم بيتكلم مع الراجل في التليفون.. بس أنا شفت الست من شباك الأوضة فوق.”كلمة “الست” جعلت عُمر يتوقف لثانية. وقف من خلف مكتبه وقرب منها ببطء:”ست مين يا أمارة؟”أمارة هزت رأسها بثبات، وبنبرة أعمق وأكثر نضجاً من سنها قالت:”مش فريدة.. ست ثانية خالص، كبار في السن شوية، بس ماسكة في إيدها نفس شنطة الجليد الحمرا اللي كانت فريدة شايلها في ليلة الخطوبة.
“عُمر لم ينتظر. نزل السلم بخطوات سريعة وحازمة، ووجد إبراهيم يتجه نحو الباب الرئيسي وهو يرتدي معطفه وبدت على وجهه الصدمة.”فيه إيه يا إبراهيم؟” عُمر سأل بصوت صارم. إبراهيم التفت له وبلع ريقه:”يا باشا.. والدة فريدة الكيلاني واقفه بره، ومعاها محامي العيلة القديم.. وطالبين يقابلوك لخمس دقايق بس.”عُمر وقف في منتصف القاعة الكبيرة، ورائحة النيل الباردة تهب من الشرفة المفتوحة خفيفاً.
نظر نحو أمارة التي كانت تقف في أعلى السلم، تراقبه بنفس العينين الواسعتين الذكيتين. ابتسم عُمر ابتسامة خفيفة، وأشار لإبراهيم بثقة:”خليهم يدخلوا يا إبراهيم.. السرايا دي خلاص، مابقاش يدخلها سر ولا يخرج منها سر من غير ما نعرفه.”دخلت السيدة المسنة ومعها المحامي، لكن هذه المرة، لم يكن في عين عُمر أي مكان للشك أو الخدعة.
كان يعلم تماماً من هو، ومن يقف معه، وكيف يحمي بيته وأهله. وانتهت كل الحكايات القديمة، ولم يتبقَ في السرايا سوى القوة، والحقيقة، وولاء لا يتزعزع. سِرٌّ في الشُّرْفَة#حكايات_شروق_خالد



