روايات وقصص

12 طبيباً لم ينقذوا المعلم ج1 حكايات شروق خالد

نعمة كانت عارفة المعلومة دي كويس. مش عشان معاها شهادة من القصر العيني.. بس عشان كبرت في بلدهم في أطراف الفيوم مع جدة كانت بتعالج بالطب البديل وبتعتبر الدكاترة الجداد دول بشهاداتهم ما بيفهموش حاجة.

جدتها كانت داية وخبيرة أعشاب، ست شديدة كانت بتزرع كل حاجة؛ من أول البابونج لحد النباتات الشديدة والمسمومة في حوض مقفول ورا البيت.

نعمة نزلت القماشة في المية تاني وحاولت تثبت نفسها وتنظم نفسها. اكيد مفيش حاجة.. أنا مجرد شغالة. الدكاترة الكبار عملوا كل التحاليل اللي في الدنيا. طلعت أنا مين يعني عشان أعدل على ناس معلقة شهادات بالشيء الفلاني؟

الباب الأرو الخشب اتفتح. ودخل «كارم». كارم ده يبقى ابن عم المعلم ممدوح، راجل أملس كده وجسمه مليان شويتين، وكان ماسك إدارة الشغل النظيف والمقاولات بتاعة العيلة. كان طول عمره ماشي بابتسامة طيبة وغلبانة.

كان شايل صينية فضة عليها فنجان شاي صين بيطلع بخار، وجنب منه برطمان عسل نجل صغير. قال كارم بصوت حنين وهو بيحط الصينية جنب السرير: «جبتلك الشاي يا ممدوح.. جنزبيل وكركاديه والخلطة إياها.. زي ما بتحب عشان يهديلك المعدة يا خويا.»

ممدوح فتح عين واحدة: «معدتي تقولش فيها إزاز مكسور بياكل في مصاريني.»

«اشرب بس يا ممدوح عشان خاطر أخوك.. لازم يدخل جوفك حاجة. الدكاترة قالوا المية والسوائل هي الأساس.»

كارم حط معلقة عسل في الشاي الأسود وقلّب بالراحة. صوت المعلقة الفضة كانت بتخبط في الفنجان رنة خفيفة.

نعمة شالت الباستيلا بتاعتها. شيفتها خلص. رجعت لورا ناحية الباب، وعينيها في الأرض زي القواعد. وهي معدية من جنب التربيزة اللي جنب السرير.. لقطت مناخيرها ريحة خفيفة بس علمَت معاها. كسرت ريحة الديتول والمطهرات ورائحة برفيوم سيد النفاذة. ريحة تراب.. على مرارة خفيفة.. مع سكرة غريبة في الآخر.

في ثانية واحدة.. نعمة ارتدت بالزمن لورا، ورجعت لحوش جدتها في البلد. وقفت مكانها. جزمتها الكوتشي المقطعة ثبتت في السجادة. الريحة دي ما تتغلطش أبداً!

هالات صفرا.. نبض القلب اللي نازل للنازل.. غمامان النفس.. والترجيع.. سم يقدر يهرب من كل أجهزة تحليل السموم والمعادن الثقيلة والركام الكيماوي.. لأنه سم طبيعي طالع من قلب نبتة!

نعمة بصت على فنجان الشاي. قلبها كان بيلطب تحت صدرها زي الدف. لو اتكلمت.. هتنكسر القاعدة. الشغالات ما بيتكلموش مع الأكابر. وما بيدخلوش في كلام العيلة والدم. بس هي قدام راجل بيموت على البطيء.. وهي الوحيدة اللي عارفة إيه اللي بياكل في أحشائه.

يوم الخميس بعد الضهر، المطر كان نازل يرزع على أزاز الفيللا. حالة المعلم ممدوح كانت نزلت للحضيض. وشه بقى شبه الورق القش، ومشدود على جمجمته. كان يروح في الغيبوبة ويرجع منها كل شوية.

نعمة كانت بتزق عربية النظافة ناحية الأوضة الماستر، ومسكة الإيد البلاستيك لحد ما مفاصل إيدها بياضت. بقاولها ٤٨ ساعة بتاكل في نفسها بسبب الريحة اللي شمتاها. راحت شقتها الضيقة في صفط اللبن، ونبشت في كشكول جدتها القديم والمقطع، وأكدت شكوكها.

تسمم بالـ «ديجيتاليس» (Digitalis toxicity). عشب «ديل الثعلب» أو زهرة الكُفوف. سم قديم طالع من زهرة أرجوانية زاهية شبه الجرس. بالجرعات الطبية المحدودة جداً، الدكاترة بيستعملوه لتقوية عضلة القلب الفاشلة. بس بالجرعات البلدي العالية، لما تتغلي وتتسف في شاي جنزبيل مر.. بتبقى حكم إعدام بطيء ومكتوم.

بتعمل غثيان شديد، وهبوط حاد وغير منتظم في ضربات القلب، والعرض الأهم: زغللة العيون الصفرا (Xanthopsia)، اللي بتخلي المريض يشوف هالات صفرا وخضرا حوالين أي ضوء.

الدكاترة كانوا بيدوروا على سموم حديثة.. زي السيانيد، أو مية النار، أو المعادن. ما جاش في بالهم أبداً إنها زهرة من الغيط مطحونة في شاي أعشاب! ولأن المادة دي بتختفي من الدم بسرعة أو بتمسك في ألياف عضلة القلب نفسها، فبأجهزة التحليل العادية مش هتبان في الدم بعد كام ساعة إلا لو الدكتور طالب فحص نسبة «الديجوكسين» بالاسم!

نعمة وقفت برة الباب الأرو. اتنين حراس كانوا واقفين، ولا عبروها وهي بتزق العربية وتدخل. الأوضة كانت شبه التربة. سيد كان قاعد متكوم على كرسي فورجيه، وبابص في الأرض وعينيه زي الدم. كان شكل راجل بقاله أسبوع ما ذاقش النوم.

المعلم ممدوح كان ممدد ما بيتحركش. صوت جهاز الأكسجين وهو بيسحب الهواء كان الصوت الوحيد اللي بيقول إن الراجل ده لسه فيه الروح.

وكارم كان قاعد هناك تاني. قاعد جنب السرير ومسك فنجان شاي طازة. شكله كان يقطع القلب من الحزن. كارم تمتم وهو حاطط إيده على دراع ممدوح الميت: «مش راضي يفوق خالص..»

سيد زمجر من غير ما يرفع راسه: «هيفوق! المعلم ناشف وهيفوق!»

نعمة اتسحبت في الزاوية وتظاهرت إنها بترتب الفوط والملايات. كانت بتراقب كارم. كان هادي.. وصبور. بيلعب دور ابن العم المخلص الحنين بمنتهى الإتقان. كل يوم بعد الضهر، من غير ما يفوت يوم، يجيب للشاي المخصوص عشان يريح معدة المعلم. وكل يوم ممدوح يشربه وهو هيموت ويرتاح، وهو بيلعط السم اللي بيدوب جسمه.

لو المعلم ممدوح مات.. مين اللي يمسك السوق؟ سيد هو الذراع العسكري.. بس مش من العيلة ولا من الدم. كارم هو اللي من الدم. كارم هو اللي معاه الفلوس النظيفة والورق. كارم يقدر يقعد على العرش، ويخلي سيد مجرد حارس أو يخلص منه في الدارة. كانت عملية انقلاب ناعمة وذكية جداً.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى