روايات وقصص

12 طبيباً لم ينقذوا المعلم ج1 حكايات شروق خالد

نعمة مسكت ريشة التنظيف وقربت من التربيزة اللي جنب السرير. كانت عاوزة تتيقن ١٠٠٪. مش هتعرض حياتها للخطر على مجرد ظن. العلبة الفضة اللي كارم بياخد منها الشاي كانت محطوطة هناك.

كارم قام وقف. «أنا هكلم الشيخ يجي يقرأله يس.. يمكن ده الوقت اللي نستعد فيه يا سيد.»

سيد راسه اترزعت لفوق: «إياك تنطق الكلمة دي تاني يا كارم! تجيب شيخ يبقى بتقول للرجالة إن المعلم مات.. والله العظيم أطولك بالرصاص هنا!»

كارم اتنهد: «يا سيد اعقل.. شوف منظره. لازم نرضى بقضاء الله.» ودار وشه ناحية الشباك وسحب تليفونه.

سيد غطى وشه بإيديه التنين. نعمة تحركت. اتسحبت في ثانية للتربيزة. العلبة الفضة كانت جنب برطمان العسل الكريستال. إيدها كانت بترتعش وهي بتمسك الغطا وبتفتحه. الريحة ضربت في مناخيرها على طول. جنزبيل قاطع. نعناع. وتحت منهم.. الريحة الترابية المرّة بتاعة أوراق ديل الثعلب الناشفة.

نعمة بَصت جوة العلبة. وسط حتت الجنزبيل الأصفر والشاي الأخضر، كان فيه حشوة خشنة لفرع أوراق لونه أخضر غامق على بنفسجي ناشف. غطت العلبة بسرعة.

كارم لف وشه. «بتعملي إيه عندك؟» النبرة الحنينة الغلبانة تبخرت في ثانية. نعمة جمدت مكانها. سيد رفع راسه، وعينيه السودة اتثبتت عليها.

«أنا.. أنا كنت بمسح التراب من على التربيزة يا بيه.»

كارم قرب من السرير. بص للعلبة الفضة. وبعدين بص لنعمة. عينيه أضاقت. في أقل من ثانية، نعمة شافت كارم على حقيقته. الماسك وقع. ما كانش فيه أي حزن في وشه.. كان فيه جشع، وغل، وشك مريض.

قال بنبرة هادية بس ترعب مع عودة الماسك لوشه: «انظفي بعيد عن هنا.. وما تلمسيش حاجة خاصة بالمعلم.»

«حاضر يا بيه.»

نعمة لفت وجريت بعربيتها برة الأوضة. أول ما طلعت الممر، صدها كان بيطلع وينزل ومش قادرة تاخد نفسها. سندت على الحيطة الرخام وغمضت عينيها. خلاص.. بقى عندها اليقين.

كارم بيموت المعلم ممدوح بالبطيء تحت عين سيد وتحت جزم ١٢ دكتور من أكبر دكاترة مصر.

نعمة كان ممكن تاخد بعضها وتمشي. الموضوع مش بتاعها. دول ناس مجرمين وبتوع سلاح. لو المعلم ممدوح مات، العالم مش هيخسر حاجة.. ده راجل ظالم وخرّب بيوت. ليه تخاطر بتاخد رصاصة في دماغها عشان تنقذ زعيم عصابة؟

بس وهي نازلة السلم الخشب الكبير ناحية أوض الشغالات، الفكرة كانت بتاكل في عقلها. هي بتكره المجرمين.. بس بتكره الجبناء والخونة أكتير! كارم كان بيموت راجل واثق فيه، ومستغل مرضه وضعفه وهو بيمثل إنه خايف عليه. حركة نذالة وخسة تفرس.

غير إن فيه سبب عملي تاني.. لو المعلم ممدوح مات، الدنيا هتتقلب حرب شوارع في السوق، والناس الغلابة هي اللي هتروح في الرجلين. هذا غير الفلوس.. المعلم ممدوح معروف إنه إيده فرطة وبيكافئ اللي يخلص له جداً.

ونعمة حيلتها إيه؟ مفلسة، غرقانة في ديون علاج أمها المتوفية، وعايشة على الاندومي والخوف. وقفت في آخر السلم وبصت فوق ناحية الدور الثالث. واتخذت قرارها. هي مش هتبقى مجرد خيال مقتة النهاردة.

جمعة بالليل، نبض المعلم ممدوح كان نزل لـ ٣٥ ضربة في الدقيقة.. مرحلة الخطر الصريح. الأجهزة في الأوضة كانت بتزمر بصوت صريخ مستمر، والتمريض اللي جايبينهم كانوا بيلفوا حوالين نفسهم وبيركبوا محاليل جديدة ومش عارفين يعملوا إيه.

نعمة كانت واقفة برة جنب عربيتها في الممر. سيد كان بيتطوح في الأوضة زي الأسد المحبوس، وبيزعق في التليفون عشان يجيب الدكتور عبد العزيز تاني. «أنا مالياش دعوة هو في فرح بنته ولا في المريخ! تركبوه عربية وتجيبوه هنا حالا، وإلا والله العظيم أروح أهد العيادة على بابه!» ورزع التليفون في الأرض اتكسر ميت حتة.

نعمة خدت نفس عميق، زقت العربية الخشب بالراحة ودخلت الأوضة. الجو جوة كان يقطع النفس. صوت زعيق الأجهزة بيعلى، ووش المعلم ممدوح كان أزرق شاحب زي الجثة، وسيد واقف في نص الأوضة بيفرك في شعره وعينيه طالع منها شرار، بينما كارم واقف جنب الشباك بيمثل إنه بيمسح دموعه بجمعة مناديل.

نعمة سابت العربية، وما مشيتش ناحية الحيطة المرة دي. راحت طوالي ووقفت جنب السرير، قدام سيد مباشرة.

سيد بصلها بشر: «أنتي إيه اللي جابك هنا تاني يا بت أنتِ؟ غوري برة مش ناقص قرفك!»

نعمة ما اتهزتش، وصوتها طلع ثابت على غير العادة، بصوت واطي بس يرن في الأوضة المقفولة: «المعلم ممدوح مش بيموت بمرض يا سيد بيه.. المعلم بيموت بـ ديل الثعلب.»

الأوضة سكتت لحظة. سيد حواجبو اتعقدت وبصلها باستغراب: «أنتِ بتقولي إيه يا جربة أنتِ؟ ثعلب إيه وزفت إيه؟»

في الزاوية، كارم جسمه اتشد مرة واحدة، وعينيه اتسعت وهو بيبص لنعمة بذهول ورعب.

نعمة كملت بسرعة ومن غير ما تردد: «سم عشب اسمه ديل الثعلب.. زهرة مسمومة بتتغلي مع الشاي. هي اللي مخلية نبضه ينزل للـ ٣٥، وهي اللي مخلية كبده وكليته يقفلوا، وهي اللي مخلية المعلم يشوف هالات صفرا وخضرا حوالين اللمبات.. دكاترتك الكبار يدوروا في الكيماويات والسموم الحديثة، لكن السم ده طبيعي وما يبانش في تحليل الدم العادي إلا لو الدكتور طلب فحص مادة الديجوكسين بالاسم!»

سيد اتنتر في مكانه، وبص للمعلم ممدوح اللي كان بيهزي ويقول «الضوء أصفر»، وبعدين بص لنعمة وعينيه احمرت: «أنتِ عرفتي الكلام ده منين يا بت؟ مين اللي زقك عليا؟»

كارم دخل في الكلام بسرعة وصوته مرعوش ومذعور: «سيد! أنت هتسمع لكلام شغالة جاهلة طالعة من العشوائيات؟ دي اكيد اتجننت أو حد زاققها عشان تعمل بلبلة والمعلم بيموت! ارميها برة يا سيد!»

نعمة اتلفتت وبصت لكارم بثبات واستحقار، وشاورت بإيدها على علبة الشاي الفضة: «لو أنا كدابة ومجنونة يا سيد بيه.. اطلب دكتور ثقة دلوقتي فوراً، خليه ياخد عينة من الشاي اللي في العلبة الفضة دي، أو خليه يفحص نسبة الديجوكسين في دم المعلم.. وشوف الشاي ده مين اللي بيعمله بإيده كل يوم الساعة ٢ الضهر ويجيبه للمعلم يشربه بنفسه!»

سيد دراعاته اتصلبت. عينيه اتنقلت بين نعمة، وعلبة الشاي الفضة، ووش كارم اللي بقى في ثواني بلون اللبن المقطوع وعرقه نازل يشر على رقبتة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى