
وصوتها دوّى في المخزن كأنه هزّ الحيطان نفسها.
سلمى صرخت
ياااسين!
ياسين اتراجع خطوتين، وحط إيده على جنبه، ولما بص لإيده لقاها غرقانة دم.
ياسين!
سلمى جريت عليه، لكنه مد إيده يمنعها.
متقربيش!
إنت بتنزف!
أنا كويس…
قالها وهو بيحاول يفضل واقف، لكن رجله خانته، ووقع على ركبته.
الحاجة زينب شهقت وهي بتجري ناحيته
يا ابني!
في اللحظة دي، جد ياسين رفع المسدس تاني.
لكن قبل ما يلحق يوجهه…
صوت رجالة الشرطة دوّى من بره
شرطة! محدش يتحرك!
الباب الحديد اتفتح بعنف، ورجال الشرطة دخلوا وهم مصوبين أسلحتهم.
ارمي السلاح!
الراجل العجوز بص حواليه، وبعدين بص لياسين المصاب، وابتسم ابتسامة غريبة.
فاكرين إنكم كده كسبتوا؟
سلمى وقفت قدام ياسين من غير ما تحس.
خلص كل حاجة يا جدي.
بصلها ببرود.
لأ… لسه.
وبسرعة حاول يرفع المسدس ناحية سلمى.
لكن واحد من رجال الشرطة ضرب إيده، والمسدس وقع على الأرض.
اتنين من الضباط اندفعوا عليه وقيدوه.
وهو بيتسحب، فضل يصرخ
اسألي أمك عن أبوكي يا سلمى!
سلمى اتجمدت.
إيه؟
العجوز ضحك.
أمك مش قالتلك كل الحقيقة.
نادية، أم سلمى، قربت منها بسرعة.
متسمعيش كلامه!
سلمى بصتلها.
هو قال إيه؟
مفيش.
قال اسأليكي عن أبويا!
نادية سكتت.
وسلمى فهمت من سكوتها إن في حاجة مستخبية.
لكن قبل ما تسألها…
سمعت صوت ياسين.
سلمى…
لفت بسرعة.
كان واقع على الأرض، وإيده ضاغطة على مكان الرصاصة.
يا دكتور!
أحد الضباط نادى الإسعاف، لكن سلمى نزلت جنبه.
بصلي يا ياسين.
فتح عينه بالعافية.
إنتِ… متخافيش.
أنا مش خايفة عليك، أنا خايفة عليك تموت!
ابتسم رغم الألم.
دي أول مرة تقولي إنك خايفة عليا.
اسكت!
دموعها نزلت غصب عنها.
إنت لو مت، أنا هقتلك بنفسي.
ضحك ضحكة ضعيفة.
حتى وأنا بموت… لسه بتزعقيلي.
عشان إنت غبي!
حط إيده على إيدها.
متسيبينيش.
سلمى بصت لإيده فوق إيدها.
مش هسيبك.
وفي اللحظة دي، الحاجة زينب بصت لنادية بنظرة طويلة.
نادية فهمت.
وقربت منها وهمست
هو عرف؟
زينب ردت
لسه.
ولو عرف؟
ساعتها مفيش حد هيقدر يوقف اللي جاي.
سلمى سمعت آخر جملة.
رفعت رأسها.
إيه اللي جاي؟
نادية قربت منها.
لازم تعرفي كل حاجة.
دلوقتي؟
أيوه… دلوقتي.
سلمى قامت، لكن قبل ما تتحرك، سمعت واحد من رجال الشرطة بيقول
يا فندم، لقينا حاجة غريبة في العربية اللي كانت واقفة بره.
الضابط الكبير قرب.
إيه؟
موبايل مش بتاع الراجل العجوز.
فتحوا الموبايل.
وكان عليه تسجيل صوتي.
الضابط شغله.
وصوت رجل ظهر من السماعة
لو التسجيل ده وصل ليكم، يبقى أنا غالبًا مت.
سلمى شهقت.
ده صوت أبويا…
الصوت كمل
سلمى… لو إنتِ بتسمعي كلامي، يبقى لازم تعرفي إن اللي حصل زمان ماكانش حادث.
دموعها نزلت.
كنت عارف إنهم هيقتلوني.
ياسين، رغم إصابته، فتح عينه وركز في التسجيل.
صوت حسن عبد الرحيم كمل
بس فيه حاجة أهم من موتي.
سكت ثواني.
أمك.
نادية غطت وشها بإيدها.
سلمى بصتلها.
أمي؟
الصوت قال
أمك عارفة الحقيقة كلها.
سلمى اتراجعت خطوة.
إنتِ كنتي عارفة؟
نادية بدأت تبكي.
كنت عارفة جزء…
جزء إيه؟
أبوكي مامتش بسبب الجبالي بس.
سلمى حسّت الدنيا بتلف بيها.
يعني إيه؟
نادية بصت ناحية ياسين.
أبوكي كان عنده دليل إن فيه حد من جوه عيلته هو اللي بيسرب كل حاجة لفؤاد السيوفي.
ياسين حاول يقوم.
مين؟
نادية بصتله.
أخوك كريم.
الغرفة كلها سكتت.
ياسين بص لها بصدمة.
كريم مات.
لأ.
صوت نادية كان ثابت.
كريم عايش.
سلمى شهقت.
بس إحنا شوفناه!
نادية هزت رأسها.
اللي شفتوه ماكانش كريم.
ياسين قال
إيه؟
نادية قربت منه.
كان واحد شبهه.
وفي اللحظة دي…
صوت خبطة قوية جه من بره المخزن.
الشرطة كلها اتجهت للباب.
وبعد ثواني…
دخل واحد من رجال الشرطة وهو ماسك راجل مصاب.
الراجل كان لابس هدوم سودا، ووشه عليه دم.
رفع عينه.
وياسين أول ما شافه…
اتجمد.
كريم…
كريم ابتسم.
وحشتني يا أخويا.
سلمى بصت بينهم.
إنت كنت فين؟
كريم رد
هقولك.
وبعدين بص لنادية.
بس قبل ما أقول أي حاجة…
طلع من جيبه فلاشة صغيرة.
لازم تشوفوا اللي عليها.
الضابط أخدها.
إيه دي؟
كريم قال
الفيديو اللي يثبت مين قتل حسن عبد الرحيم.
ياسين بصله بغضب.
إنت؟
كريم هز رأسه.
لأ.
سكت لحظة.
وبعدين قال
اللي قتله… كان أقرب شخص ليه.
سلمى همست
مين؟
كريم بص لنادية.
نادية بدأت ترتعش.
كريم قال
أمك.
سلمى اتجمدت.
أمي؟!
نادية صرخت
كداب!
كريم فتح الفلاشة قدامهم.
شغلوها.
الضابط حط الفلاشة في اللابتوب.
ظهرت شاشة سوداء.
وبعدين ظهر فيديو قديم.
حسن كان واقف في مخزن صغير.
قدامه نادية.
وكان بينهم شخص ثالث…
وشه مش واضح.
لكن صوته كان واضح.
صوت راجل.
وقال
لو مش هتسلمني الدفتر… مراتك وبنتك هيموتوا.
حسن رد
أنا مش هبيعهم.
الصوت ضحك.
يبقى اختار مين يعيش.
الفيديو اهتز.
وبعدين ظهر شيء صادم…
نادية كانت ماسكة مسدس.
سلمى حطت إيدها على بوقها.
ماما…
الفيديو توقف.
والغرفة كلها غرقت في صمت.
نادية وقعت على الكرسي.
وياسين بص لها.
إنتِ عملتي إيه؟
نادية رفعت عينيها، والدموع بتنزل منها.
أنا ماقتلتش أبوكي.
سلمى صرخت
أمال ليه كنتي ماسكة المسدس؟!
نادية ردت بصوت مكسور
عشان أنقذك.
تنقذيني من مين؟!
نادية بصت ناحية الباب.
وبصوت واطي قالت
من أبوكي نفسه.
سلمى اتجمدت.
وياسين قال
مستحيل.
نادية هزت رأسها.
أبوكي كان عايز يسلّم الدليل للشرطة.
وده الصح.
أيوه… بس الدليل كان فيه اسم الشخص اللي كان بيحمي الشبكة كلها.
سلمى قربت.
مين؟
نادية مسحت دموعها.
شخص إنتِ عمرك ما شكيتِ فيه.
وفي نفس اللحظة…
تليفون الضابط رن.
رد.
ثواني قليلة…
وشه اتغير.
إيه؟
سكت.
وبعدين بص لياسين.
يا فندم…
ياسين قال
قول.
الضابط بلع ريقه.
فؤاد السيوفي هرب من المستشفى.
كريم ضحك.
مش هرب.
ياسين بصله.
أمال إيه؟
كريم رد
اتاخد.
مين أخده؟
كريم بص لسلمى.
الشخص اللي كان بيحركنا كلنا من البداية.
سلمى قالت
مين؟
كريم قرب منها وقال
الراجل اللي أبوكي كان بيحاول يحميكي منه.
وفجأة…
نور المخزن كله انطفى.
وسمعوا صوت رجل من السماعات القديمة فوقهم
كفاية لعب.
سلمى رفعت رأسها.
الصوت كمل
يا سلمى… أنا مستنيكي من ست سنين.
وسكت لحظة.
ثم قال
وأخيرًا رجعتي للمكان اللي أبوكي مات فيه.
ياسين حاول يقوم رغم إصابته.
مين إنت؟!
ضحكة باردة خرجت من السماعة.
اسأل مرات أبوك.
نادية رفعت عينيها…
وكان واضح من وشها إنها عرفت الصوت.
همست
لا…
سلمى مسكت إيدها.
مين ده؟
نادية بصت لها، وقالت وهي بتبكي
أبوك ماكانش بيهرب منه…
كان بيهرب منك.
وبمجرد ما قالتها…
الباب الحديدي اتقفل عليهم من الخارج.
وصوت القفل دوّى.
ثم اشتغلت شاشة كبيرة على الحائط…
وظهر عليها وجه رجل لم تره سلمى من قبل.
لكن أول ما ياسين شافه…
وشه اتغير.
وقال بصوت مخنوق
مستحيل…
سلمى بصتله.
مين؟
ياسين ما ردش.
الرجل على الشاشة ابتسم وقال
أهلاً يا بنت حسن.
ثم نظر مباشرة إلى ياسين.
وأهلاً بابني.
ياسين اتجمد.
ابني؟
الرجل ابتسم.
أيوه يا ياسين…
أنا أبوك الحقيقي الصمت نزل على المكان كأنه خنق كل نفس فيه.
ياسين كان واقف مكانه، وشه اتغير تمامًا.
بص للشاشة، وبعدين بص لنادية، وبعدها رجع بص للرجل اللي عليها.
إنت… مين؟
الرجل ابتسم.
أنا محمود الجبالي.
ياسين هز راسه بعنف.
أبويا مات من خمسة وعشرين سنة.
محمود ضحك.
الراجل اللي اتدفن مكان أبوك… ماكانش أبوك.
الحاجة زينب شهقت.
محمود!
الرجل على الشاشة بص لها.
لسه صوتك زي ما هو يا أمي.
ياسين بص للحاجة زينب.
أمي؟
الحاجة زينب بدأت تبكي.
أنا كنت فاكرة إنك مت…
محمود رد ببرود
كنت عايزهم يفتكروا كده.
ياسين قرب من الشاشة.
ليه؟
عشان أحميك.
تحميني من إيه؟
محمود سكت ثواني.
وبعدين قال
من العيلة اللي ربتك على الكذب.
ياسين اتعصب.
إنت اللي بتتكلم عن الكذب؟! سيبتني خمسة وعشرين سنة وأنا فاكر إن أبويا مات!
لأني لو ظهرت… كنت هتموت.
سلمى دخلت بينهم.
طب وأبويا؟
محمود بص لها.
حسن عبد الرحيم كان صاحبي.
وصاحب أبويا؟
أكتر من كده.
نادية بدأت تبكي.
محمود كمل
حسن كان أخويا اللي ماخلفتوش.
سلمى بصت لأمها.
ليه قتلوه؟
محمود قال
عشان اكتشف الحقيقة.
حقيقة إيه؟
الشاشة قربت على وش محمود.
إن كل اللي حصل في عيلة الجبالي… بدأ بسبب فلوس.
ياسين قال
فلوس؟
أبوك الحقيقي كان عنده شركة قانونية، لكن جدك حولها لواجهة لغسيل أموال. وأنا لما اكتشفت ده حاولت أوقفه.
الحاجة زينب قالت
محمود، كفاية.
لأ يا أمي. كفاية سكوت.
بص لياسين.
أنا اختفيت عشان أراقبهم.
ثم بص لسلمى.
وحسن ساعدني.
سلمى سألت
طب ليه أبويا مات؟
محمود سكت.
ولأول مرة، ظهر الألم على وشه.
لأن حسن اكتشف إن الشخص اللي بيسرب المعلومات مش من عيلة الجبالي.
ياسين قال
أمال مين؟
محمود رد
أقرب شخص لسلمى.
سلمى بصت حواليها.
مين؟
محمود قال
عمك.
سلمى اتصدمت.
بس عمي قال إنه قتله!
قال الحقيقة… بس مش كلها.
كريم قاطعهم
أنا كنت عارف.
ياسين لف له.
كنت عارف إيه؟
إن عم سلمى كان مجرد أداة.
أداة لمين؟
كريم بص للشاشة.
محمود قال
لفؤاد السيوفي.
سلمى همست
بس إنت قلت إن فؤاد مجرد تابع.
محمود ابتسم.
كان تابعًا.
كان؟
أيوه.
فجأة انفتح باب صغير خلف الشاشة.
وظهر