«مين؟»
قبل ما تجاوب، النور كله انطفى.
رنا صرخت.
حضنتها بإيد، وسحبت يوسف بالإيد التانية.
وفي الضلمة، سمعت صوت خطوات.
خطوة…
خطوة…
خطوة…
وبعدين صوت رجل قال:
«مساء الخير يا أخويا.»
عرفت الصوت فورًا.
سامح.
النور اشتغل.
وكان واقف في آخر الصالة.
لابس بدلة سودا.
نفس طولي تقريبًا.
نفس عيني.
لكن وشه كان مليان آثار جروح قديمة.
وبص لداليا وقال:
«أحسنتِ.»
داليا رجعت لورا.
«أنا ماقدرتش .»
سامح ابتسم.
«عشان كده أنا جيت أعملها بنفسي.»
رفعت إيدي قدام الولاد.
«لو قربت خطوة، هتندم.»
ضحك.
«إنت لسه فاكر نفسك بتحميهم؟»
ثم أخرج ملفًا من داخل بدلته.
رماه على الأرض.
الملف اتفتح.
صور…
تحويلات مالية…
تقارير طبية…
وصورة لسارة.
التقطت الصورة.
وفي ظهرها كان مكتوب بخط إيدها:
«لو حصل لي حاجة، سامح هو الوحيد اللي يعرف الحقيقة.»
رفعت عيني له.
«إنت عملت إيه في سارة؟»
سامح ابتسم.
«أنا حاولت أنقذها.»
«كذاب.»
«هي ما ماتتش في الحادث يا رومان.»
قلبي وقف.
«إيه؟»
قال:
«سارة عاشت بعد الحادث.»
نوال بدأت تبكي.
سامح كمل:
«لكن فؤاد لحقها قبل ما تقدر توصل لك.»
بصيت لنوال.
«إنتِ كنتِ معاها.»
هزت راسها.
«أيوه.»
«وقلتيلي إنها ماتت.»
قالت:
«سارة هي اللي طلبت مني أقولك كده.»
«ليه؟»
سامح رد بدلها:
«عشان تحميك.»
ثم أشار إلى يوسف ورنا.
«بس المرة دي ماكانش عندها وقت تحمي ولادك.»
فجأة، سمعنا صوت عربية فراملها بعنف قدام البيت.
سامح ابتسم.
«أبو داليا وصل.»
داليا انهارت على الكرسي.
«لا…»
بصيت لها.
«إنتِ هتساعديني.»
هزت راسها بخوف.
«لو ساعدتك، أبويا أمي.»
قلت:
«لو ما ساعدتينيش، ولادي.»
سكتت.
ثم رفعت عينيها وقالت:
«عندي طريقة واحدة.»
«إيه؟»
قالت:
«فؤاد مخبي كل أسراره في مكان محدش يعرفه.»
«فين؟»
بصت لسامح.
«في البيت القديم بتاع سارة.»
سامح لأول مرة فقد ابتسامته.
قلت:
«إنت كنت عارف المكان؟»
هز راسه.
«كنت فاكره .»
داليا قالت:
«ما .»
ثم ابتسمت لأول مرة.
«أنا اللي خليت نسخة من المفتاح تتخبى هناك.»
وفجأة، صوت طلقة دوّى خارج البيت.
رنا صرخت.
يوسف شد إيدي.
وسامح بص ناحية الباب.
قال:
«خلص الكلام.»
ثم نظر لي.
«لو عايز تعرف مين مراتك… ومين خانك… ومين كان بيحرك كل ده من البداية…»
رفع سلاحه.
«تعالى معايا.»
ثم أضاف:
«بس خد ولادك معاك.»
«ليه؟»
ابتسم ابتسامة باردة.
«لأن البيت القديم مش فاضي.»
وسكت لحظة.
«سارة مستنياكم هناك.»بصيت لسامح، وبعدين ليوسف.
قلت:
«محدش هيموت النهارده.»
قفلت الملف وحطيته في جيبي.
سامح فهم قصدي من غير ما أتكلم.
قال:
«إنت ناوي تعمل إيه؟»
ابتسمت لأول مرة من ساعات.
«هنخلي عمرو يصدق إنه كسب.»
خرجت أنا ويوسف من الباب الأمامي، لكن نوال كانت ماسكة جهاز التسجيل، وداليا كانت معاها.
رفعت إيدي قبل ما سامح يتحرك.
«محدش يطلع.»
مشيت لوحدي ناحية العربية اللي واقفة قدام البيت.
عمرو نزل منها.
كان لابس بدلة رمادي، ووشه هادي كأنه جاي اجتماع شغل.
قال:
«فين يوسف؟»
قلت:
«جوا.»
ابتسم.
«أهو كده بدأت تفهم.»
بصيت له وقلت:
«سارة عايشة؟»
ضحك.
«دي آخر حاجة هتعرفها.»
وفي اللحظة دي، نوال شغلت التسجيل.
صوت عمرو اللي كان مسجل من خمس سنين خرج من السماعة:
«بعد موت رومان، الوصاية هتكون لداليا… والأصول هتنتقل تدريجيًا ليوسف.»
عمرو وشه اتغير.
ثم خرج تسجيل تاني.
صوته هو:
«الحادث لازم يبان طبيعي.»
وبعده صوت فؤاد:
«وسارة؟»
عمرو:
«مش هتخرج من المستشفى.»
سكت عمرو.
قلت:
«الشرطة في الطريق.»
حاول يضحك.
«إنت فاكر التسجيلات دي هتوقعني؟»
رديت:
«مش التسجيلات بس.»
طلعت الملف من جيبي.
«المستند الأصلي كمان.»
عمرو اندفع ناحيتي، لكن سامح خرج من خلف الباب في اللحظة المناسبة.
وقف قدامه.
عمرو اتراجع.
بص لسامح وقال:
«إنت كان لازم تموت.»
سامح رد:
«وأنت كان لازم تبطل الناس.»
وصلت الشرطة بعدها بدقائق، ومعاها فريق من النيابة.
عمرو حاول يهرب.
لكن كل الطرق اللي كان مستخدمها طول السنين للهروب كانت اتقفلت.
التحويلات المالية، التسجيلات، المستندات، وشهادات داليا ونوال كانوا كفاية.
وفؤاد اتقبض عليه قبل ما يهرب من مصر.
أما داليا…
فهي سلمت نفسها واعترفت بكل اللي عملته.
ما سامحتهاش.
لكنها طلبت مني حاجة واحدة قبل ما تخرج:
«خلي ولادك يعرفوا إني كنت غلطانة.»
قلت لها:
«هم مش محتاجين يعرفوا إنك كنتي وحشة.»
«محتاجين يعرفوا إن الغلط عمره ما كان ذنبهم.»
وبعدها خرجت من حياتنا.
بعد أسبوع، وصلنا للمكان اللي كان عمرو مخبي فيه سارة.
كانت عايشة.
ضعيفة، لكن عايشة.
أول ما شافتني، ماقالتش أي كلمة.
أنا كمان ماقدرتش أتكلم.
بس قربت منها.
حضنتني.
وقالت:
«كنت عارفة إنك هتوصل.»
رنا جريت عليها.
يوسف وقف بعيد.
سارة فتحت إيديها له.
قرب ببطء.
ولما حضنها، انهار.
«ماما… أنا حاولت أكون قوي.»
سارة بكت.
«ماكانش لازم تكون قوي يا حبيبي.»
ثم سألت عن ليلى.
عرفنا إنها كانت مخفية في مكان آمن، بعيد عن عمرو وفؤاد.
وبعد أيام، رجعت بنت سارة لأمها.
ولأول مرة من سنين، اتجمعنا كلنا في بيت واحد من غير خوف.
سامح قرر يبعد عن عالم نهائيًا.
وأنا بدأت أفصل شركاتي عن كل الأعمال القذرة اللي كانت متشابكة فيها.
ماكانش سهل.
لكن كان لازم.
بعد شهور، وقفت قدام قبر سارة القديم.
القبر اللي دفنا فيه جثمان واحدة مجهولة الهوية، بينما سارة كانت عايشة في مكان تاني.
حطيت وردة وقلت:
«أنا آسف إني صدقت إنك رحتي.»
سارة وقفت جنبي.
مسكت إيدي.
وقالت:
«المهم إننا رجعنا لبعض.»
بصيت ناحية رنا ويوسف وليلى.
الأطفال كانوا بيلعبوا بعيد.
من غير خوف.
من غير تهديد.
من غير حد يقول لهم إنهم ضعاف.
ابتسمت.
لأول مرة فهمت إن القوة مش إن الناس تخاف منك.
القوة الحقيقية إن أولادك يجروا عليك وهما مطمنين إنك هتحميهم.
ومع غروب الشمس، مشينا كلنا من قدام المقبرة.
لكن قبل ما أركب العربية، وصلني إشعار على موبايلي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كان فيها صورة قديمة ليا أنا وسارة وسامح وإحنا أطفال.
وتحتها جملة واحدة:
«عمرو وفؤاد كانوا مجرد بيادق.»
وقفت مكاني.
سارة بصتلي.
«في إيه؟»
قفلت الموبايل.
وبصيت لأولادي.
الماضي كان لسه مخبي أسرار.
لكن المرة دي…
أنا ماكنتش لوحدي.
وكان عندي سبب أقوى من .
كان عندي عيلة لازم أحميها.
ومن يومها، بدأت حياة جديدة.
مش حياة رجل بيخاف منه الناس.
لكن حياة أب…
أخيرًا أولاده بقوا يناموا وهم مطمنين إن بكرة هيكون أحسن من امبارح.
«خطيبتي ولادي وخطّطت
حكايات شروق خالد
«خطيبتي ولادي وخطّطت … لكن سر مراتي اللي ماتت قلب كل الموازين»
حكايات شروق خالد
