
«أيوه.»
قام ومشى ناحية الحيطة.
ضغط على جزء صغير فيها.
جزء من الحائط اتحرك ببطء، وظهر وراه درج ضيق.
طلع منه صندوق أسود.
رجع وحطه قدامي.
«ده أبوكي سابه ليكي.»
إيدي اترددت قبل ما ألمسه.
«إمتى؟»
«قبل ما يموت بأسبوع.»
بصيتله بسرعة.
«إنت كنت عارف إنه هيموت؟»
ما ردش فورًا.
وده كان كفاية يخوفني.
«سيف… إنت كنت عارف؟»
قال بهدوء:
«أبوكي كان عارف إن حياته قربت تخلص.»
«يعني اتقتل؟»
سكت.
أنا قربت منه.
«رد عليا! أبويا اتقتل؟»
رفع عيني ليا.
«لسه ما عنديش دليل.»
«بس شاكك.»
«جداً.»
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الصندوق.
جواه كان فيه ملف بني، ومفتاح صغير، وفلاشة.
وأول ورقة شفتها كان عليها اسم واحد.
اسم ماعرفتوش.
لكن تحت الاسم كان مكتوب:
«الشخص الوحيد اللي أقدر أثق فيه… مريم.»
رفعت عيني لسيف.
«ليه اسمي هنا؟»
قال:
«لأن أبوكي كان عايزك تكملي حاجة هو بدأها.»
«أنا؟!»
ضحك بمرارة.
«إنتِ طول عمرك فاكرة إنك هربتي من عالمه.»
سكت لحظة.
«لكن الحقيقة إن العالم ده كان مستنيكي.»
حسيت برعشة في جسمي.
«أنا مش عايزة أي حاجة من عالمكم.»
«للأسف، العالم ده هو اللي عايزك.»
وقبل ما أقدر أرد، سمعنا صوت جاي من بره.
خطوات.
سيف رفع إيده فورًا.
«اسكتي.»
بصيت للباب.
الخطوات قربت.
واحد.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين وقفوا قدام الباب.
سيف اتحرك بسرعة، ووقف بيني وبين المدخل.
سمعنا صوت راجل من الناحية التانية:
«يا سيف… افتح.»
سيف ما ردش.
الصوت رجع:
«أنا عارف إن البنت جوه.»
بصيت لسيف بصدمة.
هو بصلي.
ولأول مرة شفت الخوف في عينيه.
قال بصوت واطي:
«مريم، مهما حصل… ما تتكلميش.»
«مين ده؟»
ما ردش.
الصوت بره اتحول لضحكة باردة.
«مريم… أبوكي ما قالكيش الحقيقة كلها.»
حسيت الدم انسحب من وشي.
سيف قبض إيده.
والراجل كمل:
«لأن لو عرفتي الحقيقة، هتعرفي ليه أبوكي كان خايف عليكي من يوم ما اتولدتي.»
قرب سيف من الباب.
«امشي.»
الراجل ضحك.
«مش هينفع.»
وبعدين قال جملة خلت سيف نفسه يتجمد:
«أنا جاي آخد حق أبوها… وآخد البنت اللي كان مخبيها عننا كل السنين دي.»
بصيت لسيف.
«هو يقصد إيه؟»
سيف ما ردش.
أنا قربت منه.
«سيف… هو يقصد إيه؟»
فضل ساكت.
صرخت:
«إنت كنت عارف حاجة عني؟!»
لف ناحيتي.
وقبل ما يتكلم…
انطفى النور.
الدنيا غرقت في الضلمة.
وسمعنا صوت كسر زجاج من الناحية التانية للقصر.
وبعده مباشرة…
صوت رصاص.
صرخت من الخضة.
سيف مسكني من إيدي وشدني وراه.
قال:
«مريم، من اللحظة دي… ما تثقيش في أي حد.»
«حتى إنت؟»
بصلي في الضلمة.
وسكت ثواني.
وبعدين قال:
«خصوصًا أنا.»
وفي اللحظة دي…
فتح باب سري ورا المكتبة.
وشدني معاه لجوه.
لكن قبل ما الباب يقفل، لمحت شخص واقف آخر الممر.
وشه ماكانش واضح.
لكن في إيده كانت صورة.
صورة قديمة جدًا.
صورة ليا وأنا طفلة.
وتحتها جملة واحدة:
«البنت دي مش بنت الراجل اللي فاكرة إنه أبوها.»
اتقفل الباب.
وسيف فضل واقف قدامي في الضلمة.
بصيتله وأنا مش قادرة أتنفس.
وقلت:
«إنت كنت عارف إن أبويا مش أبويا الحقيقي؟»
ما ردش.
وسكوته كان أخطر من أي إجابة.
لأن الحقيقة اللي كنت بهرب منها تسع سنين…
مكنتش تخص أبويا بس.
كانت تخصني أنا كمان.
حكايات شروق خالد
فضلت باصة لسيف وأنا مستنية منه كلمة واحدة.
أي كلمة.
لكنه كان ساكت.
السكوت ده كان بيخوفني أكتر من صوت الرصاص اللي لسه بيرن في وداني.
قربت منه خطوة.
«رد عليا يا سيف.»
فضل ساكت.
صرخت:
«إنت كنت عارف؟!»
رفع عينه ليا وقال بهدوء:
«أيوه.»
الكلمة نزلت عليا كأنها صفعة.
رجعت خطوة لورا.
«من إمتى؟»
«من قبل ما تقابليّني.»
«يعني أبويا مش أبويا؟»
سيف شد نفس طويل.
«الرجل اللي رباكي هو أبوكي بالمعنى اللي يهم… حتى لو الدم مختلف.»
ضحكت بمرارة.
«بالنسبة لك ده كلام سهل! إنت عارف إن كل حياتي ممكن تكون كذبة؟»
«أنا عارف.»
«لا، إنت مش عارف حاجة!»
ضربت بإيدي على الحيطة.
«أنا كنت فاكرة إني عارفة مين أنا! كنت فاكرة إن أبويا كان رجل أعمال قاسي، وإن أمي ماتت بدري، وإن أنا هربت من البيت عشان أبدأ حياتي بعيد عنهم.»
بصيتله بعينين مليانين دموع.
«دلوقتي بتقولي إن حتى ده كدب؟»
قرب مني، لكني رفعت إيدي.
«ما تقربش.»
وقف مكانه.
قال:
«أبوكي الحقيقي اسمه فارس الدمنهوري.»
اتجمدت.
الاسم كان غريبًا عليا.
«مين ده؟»
«راجل كان أخطر من أبوكي اللي رباكي بكتير.»
«هو عايش؟»
سيف سكت.
«سيف.»
قال:
«كان.»
غمضت عيني.
«يعني مات؟»
«من سنين.»
فتحت عيني وبصيتله.
«وأمي؟»
ملامحه اتغيرت.
«أمك كانت تعرف فارس.»
«وبعدين؟»
«كانت بتحاول تهرب بيكي.»
قلبي اتقبض.
«تهرب بيا من مين؟»
قال:
«من عيلة الدمنهوري.»
سكت لحظة، وبعدين كمل:
«عيلة ما كانتش بتقبل إن حد يخرج من عالمهم.»
حسيت إني مش قادرة أستوعب.
«وأبويا اللي رباني؟»
«هو اللي أخدك وحماكي.»
«ليه؟»
«لأنه وعد أمك.»
دموعي نزلت من غير ما أحس.
«هي ماتت إزاي؟»
سيف ما ردش.
مسكت دراعه.
«قول!»
قال بصوت منخفض:
«حادثة عربية.»
«حادثة؟»
«ده اللي اتقال.»
«بس إنت مش مصدق.»
هز راسه.
«لأ.»
في اللحظة دي سمعنا صوت حركة من آخر الممر السري.
سيف لف بسرعة.
«ورايا.»


