
بعد عشرين دقيقة، دخلت البيت. لقيت نادين قاعدة ودموعها على خدودها. وسلمى واقفة جنب رخامة المطبخ، إيديها متشابكة قدامها. أول ما شافتني، قالت: “هي فاكرة إني سرقت الإسوار.”
نادين ردت بسرعة: “أنا ما قلتش كده!”
بصيت لنادين. وبعدين لسلمى. كان في حاجة غريبة في عيني سلمى. ما كانتش عيون واحدة اتقفشت. ولا عيون واحدة بتكدب. كانت عيون واحدة اتعودت على الإهانة. كأنها وقفت في نفس الموقف ده قبل كده كتير… ناس أغنى منها بيحكموا عليها، ويقرروا إذا كانت تستحق الاحترام ولا لأ.
خلعت الجاكت بهدوء. وحطيته على الكرسي. وبصيت للستات التلاتة. وبعدين لنادين. وأخيرًا لسلمى. وقلت: “حد فتش المكان فعلًا؟”
(حكايات شروق خالد)
بصيت لنادين ثواني طويلة، من غير ما أتكلم. هي مسحت دموعها بسرعة وقالت: “ياسين، أنا مش عايزة أعمل مشكلة. الإسوار كان في إيدي قبل ما أدخل المطبخ، وبعدها اختفى.”
لفيت وشي ناحية الستات التلاتة. “وإنتوا؟ حد شاف الإسوار؟” واحدة منهم هزت راسها. “أيوه، كان في إيد نادين وقت الغدا.” التانية قالت بسرعة: “وبعدين حطته على الترابيزة.”
نادين بصتلي. “أنا متأكدة إنه كان على الترابيزة.” بصيت لسلمى. كانت واقفة ساكتة. “سلمى.” رفعت عينيها. “أيوه يا أستاذ.” “إنتِ دخلتي هنا بعدهم؟” “أيوه.” “ولمستي الترابيزة؟” سكتت لحظة. “لمست الأطباق بس.”
نادين قاطعتها: “بس هي كانت لوحدها هنا!” بصيت لنادين. “إنتِ متأكدة؟” اتوترت. “أيوه.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة. “غريبة.” “غريبة إيه؟” “لأني سألتك قبل كده مين كان موجود هنا، وقلتيلي إنك كنتي لوحدك مع صاحباتك.”
وش نادين اتغير. واحدة من الستات بصت للتانية.
أنا قربت من الترابيزة. “محدش يتحرك.” كلهم سكتوا. مديت إيدي ناحية طبق الفاكهة، ورفعته. الإسوار ما كانش تحته. بصيت للأرض. ولا حاجة.
وبعدين لاحظت حاجة صغيرة جدًا. خيط أسود رفيع عالق في رجل الكرسي. انحنيت وخدته بين صوابعي. سلمى كانت أول واحدة لاحظت. “ده…” بصيتلها. “إيه؟” قالت بتردد: “ده من الطرحة بتاعة مدام نادين.”
نادين شهقت. “إنتِ بتقولي إيه؟” سلمى بصت للأرض. “أنا شفتها وهي واقفة هنا.”
قربت من نادين. “ارفعي إيدك.” “ليه؟” “ارفعيها.” رفضت. فبصيت للحارس الواقف عند الباب. “هاتلي شنطتها.”
نادين صرخت: “إنت فقدت عقلك؟!” لكن الحارس أخد الشنطة. نادين حاولت تمنعه. “متلمسهاش!” وقتها عرفت إننا قربنا.
الحارس فتح الشنطة. مكياج. موبايل. محفظة. مفاتيح. ولا إسوار. نادين بصتلي بانتصار. “شوفت؟”
بصيتلها بهدوء. “أيوه.” وبعدين بصيت للحارس. “فتش الجاكيت.” فتش الجاكيت. ولا حاجة.
نادين ضحكت. “كفاية بقى يا ياسين.” لكن أنا ما كنتش بدور على الإسوار. كنت بدور على حاجة تانية.
“مروان.” مساعدي ظهر من الباب. “أيوه يا باشا.” “هات تسجيلات كاميرات المطبخ.”
نادين اتجمدت. ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت… شوفت الخوف الحقيقي في عينيها.
مروان فتح التابلت. وبدأنا نتفرج. التسجيل الأول كان وقت الغدا. نادين حطت الإسوار على الترابيزة. بعدها بدقايق دخلت سلمى. شالت الأطباق. نادين كانت واقفة جنبها. وفجأة… نادين مدّت إيدها ناحية الإسوار.
أنا وقفت الفيديو. نادين قالت بسرعة: “أنا كنت بشيله!” رجعت الفيديو ثانيتين. شغلت تاني. لكن المرة دي على سرعة بطيئة. إيد نادين ما لمستش الإسوار. إيدها اتحركت ناحية الترابيزة… لكنها سحبتها قبل ما توصل.
بصيت لمروان. “الكاميرا التانية.” فتحها. الكاميرا كانت بتصور الممر. بعد خمس دقايق، ظهرت نادين وهي خارجة من المطبخ. لكنها ما كانتش لوحدها. كان معاها واحد من عمال الصيانة. رجل اسمه سامح.
نادين بصت للشاشة، ووشها شحب. “ده… ده كان بيسألني عن حاجة.” بصيتلها. “في المطبخ؟” “أيوه.” “وإنتِ مش قولتي إنك كنتي لوحدك؟” ما ردتش.
سكت المكان كله. قربت من الشاشة. سامح كان واقف جنب نادين، وبعدها بص حواليه قبل ما يمد إيده لجيب بدلته. خرج حاجة صغيرة. الإسوار.
ابتسمت. لكن المفاجأة إن سامح ما رجعش الإسوار لنادين. حطه في جيبه. وبعدين مشي.
بصيت لمروان. “هات سامح.” بعد عشر دقايق، دخل سامح وهو بيترعش. وقف قدامي. “الإسوار.” قال: “معرفش حضرتك بتتكلم عن إيه.”
قربت منه. “آخر فرصة.” طلع الإسوار من جيبه. حطه على المكتب. “أنا… كنت هبيعه.”
بصيت لنادين. هي كانت بتبص لسامح بصدمة. لكن أنا ما صدقتش الصدمة دي. لأن في حاجة واحدة ما كانتش راكبة.
لو نادين ما كانتش متفقة معاه… ليه كانت خايفة لما شافت الكاميرات؟ وليه كانت أول واحدة تتهم سلمى؟ وليه أصرت إن محدش يفتش؟
بصيت لسلمى. كانت واقفة في آخر المطبخ، ساكتة. لكن عينيها كانت بتقول إنها عارفة أكتر مما بتقول.
قربت منها. “إنتِ كنتي عارفة إن الإسوار هيتسرق؟” وشها ابيض. “لا.” “بصي في عيني وقولي.” رفعت عينيها بصعوبة. “أنا… كنت شاكّة.” “في مين؟” سكتت. “سلمى.” (قصدها: في مدام نادين).
سكت البيت كله. نادين انفجرت: “إنتِ بتتهميني؟!” لكن سلمى لأول مرة ما خافتش. بصت لها وقالت: “أنا شفتك قبل كده.”
نادين قربت منها. “شفتي إيه؟” سلمى رجعت خطوة. “شوفتك وإنتِ بتتكلمي مع راجل قدام بوابة البيت بالليل.”
بصيت لنادين. “مين كان الراجل ده؟” ما ردتش.
سلمى كملت بصوت مرتعش: “وكان بيسألك عن مواعيد سفر الأستاذ ياسين.” الهواء نفسه اتغير.
أنا بصيت لنادين. “كنتِ بتقولي لحد مواعيد سفري؟” بدأت دموعها تنزل. “ياسين، الموضوع مش زي ما إنت فاكر.”
ضحكت بهدوء. “أنا لسه ما قلتش أنا فاكر إيه.”
وساعتها… رن موبايل مروان. بص في الشاشة، وبعدها رفع عينيه ليا. “يا باشا…” “إيه؟” “في خبر لازم تعرفه.” “قول.”
قرب مني وقال بصوت منخفض: “الراجل اللي كانت مدام نادين بتقابله…” سكت لحظة. “طلع واحد من رجال عدوك القديم.”
تجمدت. عدوي القديم. الرجل الوحيد اللي كنت متأكد إنه مات من سبع سنين.
رفعت عيني لنادين. “هو مين؟” مروان بلع ريقه. “اسمه فؤاد السيوفي.”
سكت. لأن فؤاد السيوفي… كان المفروض يكون ميت. لكن لو كان عايش… فمعنى كده إن كل اللي حصل خلال الشهور اللي فاتت ما كانش صدفة.
والوقعة اللي وقعتني على الرخام… ما كانتش حادثة. كانت بداية حرب.
(حكايات شروق خالد)


