
نظرتها اتعلقت بالأرض.
قلت بصوت أعلى:
«مين يا ماما؟»
رفعت عينيها لي.
«عمك محمود.»
اتجمدت.
محمود كان أخو أبويا.
وكان أكتر شخص وقف جنبنا بعد اختفاء أمي أبويا.
هو اللي كان كل أسبوع.
هو اللي كان بيبعت لي مصاريف المدرسة.
هو اللي كان دايمًا يقول لي:
«أبوكِ كان أخويا، وأنا مش هسيبك لوحدك.»
«مستحيل.»
أمي مسكت إيدي.
«كنت عارفة إنك مش هتصدقي.»
«إزاي؟ إزاي عم محمود يعمل كده؟»
قالت:
«عشان الفلوس.»
وسكتت لحظة.
«أبوكِ كان اكتشف حاجة.»
«إيه؟»
«كان اكتشف إن محمود من الشركة.»
شهقت.
شركة أبويا كانت وقتها من أكبر الشركات في البلد.
وأبويا كان ماسك الحسابات بنفسه.
أمي قالت:
«محمود ماكانش لوحده. كان معاه شريك.»
سألتها:
«مين؟»
لكن قبل ما تجاوب، سمعت صوت عربية وقفت قدام البيت.
أمي اتوترت فجأة.
بصت ناحية الشباك.
«هو جه.»
«مين؟»
ما ردتش.
وبعدين همست:
«محمود.»
قلبي وقع.
بعد دقائق، جرس الباب رن.
مرة.
واتنين.
وبعدين خبط .
أحمد دخل بسرعة من الصالة وقال:
«سارة، في حد برا بيسأل عنك.»
بصيت له.
«عم محمود.»
ملامحه اتغيرت.
قال:
«إنتِ متأكدة؟»
أمي قامت بسرعة.
«ما تفتحيش.»
لكن محمود كان دخل بالفعل.
كان واقف عند باب الصالة بابتسامته القديمة.
نفس البدلة .
نفس العصا.
ونفس النظرة الهادية اللي كنت طول عمري بثق فيها.
قال:
«سارة يا بنتي… سمعت إن والدتك رجعت.»
محدش رد.
ابتسامته اختفت.
بص لأمي.
ولثواني طويلة، الاتنين فضلوا باصين لبعض.
وبعدين محمود قال:
«فاطمة.»
أمي بدأت .
«ما تنادينيش بالاسم ده.»
محمود ضحك بهدوء.
«يعني افتكرتي؟»
أحمد اتحرك قدامي.
لكن أمي مسكته.
وقالت:
«سيبه.»
بصت لمحمود وقالت:
«أنا افتكرت كل حاجة.»
لأول مرة في حياتي شفت الخوف الحقيقي في عيني عمي.
قال:
«إنتِ مش فاكرة حاجة.»
أمي ردت:
«فاكرة إنك ضربت أخوك.»
الصمت نزل على المكان.
«فاكرة إنك كنت واقف فوقه وهو .»
شهقت.
أحمد بص لي.
وأنا ماقدرتش أتحرك.
أمي كملت:
«وفاكرة إنك ولعت البيت بعد ما أخدت الدفاتر.»
محمود رجع خطوة.
«إنتِ بتكدبي.»
أمي قربت منه.
«وفاكرة كمان إنك ماكنتش لوحدك.»
محمود بص لي.
ثم بص لأحمد.
وبعدين قال:
«سارة… ما تسمعيش كلامها.»
صرخت:
«اخرس!»
سكت.
«وإنت السبب في اختفاء أمي؟»
ما ردش.
لكن عينيه قالت كل حاجة.
في اللحظة دي، أحمد مد إيده وأشار لاثنين من رجال الأمن.
«خدوه.»
محمود ابتسم فجأة.
ابتسامة غريبة.
وقال:
«متأخر.»
أحمد قطب حاجبيه.
«يعني إيه؟»
محمود قال:
«لو أنا وقعت، ناس كتير هتقع معايا.»
وبعدين بص لي مباشرة.
«ومن ضمنهم جوزك.»
اتجمدت.
بصيت لأحمد.
«إيه اللي بيقوله؟»
أحمد ما ردش.
محمود ضحك.
«اسأليه عن الشركة القديمة.»
بصيت لأحمد.
«أحمد؟»
فضل ساكت.
قلت:
«إنت كنت تعرف عمي قبل ما تجيبه البيت؟»
أحمد أخيرًا رفع عينه.
وقال:
«أيوه.»
«من إمتى؟»
سكت.
«أحمد… من إمتى؟»
قال بصوت منخفض:
«من قبل ما أتجوزك.»
قلبي اتكسر.
محمود ابتسم.
«دلوقتي بقى دورك تعرفي الحقيقة كلها يا سارة.»
لكن قبل ما يكمل، دخل واحد من رجال الأمن مسرعًا.
وقال:
«يا فندم… في عربية هربت من الخلف.»
أحمد التفت.
«مين؟»
الرجل بص لمحمود.
وبعدين قال:
«الشخص اللي كان معاه.»
محمود ابتسم.
«قلت لكم… أنا مش لوحدي.»
وبينما رجال الأمن انشغلوا للحظات، حصل شيء ماحدش توقعه.
أمي وقفت فجأة.
بصت لمحمود وقالت:
«أنا عارفة شريكتك.»
ابتسامته اختفت.
أمي كملت:
«وعارفة مين اللي ساعدك تخبي الحقيقة خمسة وعشرين سنة.»
محمود قال بصوت مرتعش:
«فاطمة… بلاش.»
أمي بصت لي.
وقالت:
«لأنها أختي.»
اتسعت عيني.
«أختك؟»
هزت راسها.
«خالتك يا سارة.»
وقبل ما أقدر أستوعب، أمي نطقت الاسم.
الاسم اللي خلاني أحس إن قلبي توقف.
«ليلى.»
اسم خالتي.
المرأة اللي كنت فاكرة إنها ماتت قبل الحريق بشهور.
المرأة اللي كانت آخر شخص زار أمي قبل اختفائها.
لكن المفاجأة الأكبر…
إن ليلى ماكانتِش .
كانت عايشة.
وكانت قريبة مني طوال السنين اللي فاتت.
قريبة جدًا.
لدرجة إن أمي قالت الجملة اللي خلتني أفقد القدرة على الكلام:
رفعت عيني لأحمد.
كان واقف ساكت.
فهمست:
«وإنت كنت تعرف؟»
أحمد قرب مني.
لكنني رجعت خطوة.
«ما تقربليش.»
وقف مكانه.
وقلت وأنا بعيط:
«عايزة أعرف كل الحقيقة… حتى لو كانت جوايا كل حاجة.»
أمي مسكت إيدي.
وقالت:
«يبقى لازم نروح للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.»
«فين؟»
نظرت لي نظرة مليانة ألم.
«بيتكم القديم.»
ثم أضافت:
المكان اللي كنت فاكرة إن أمي اختفت فيه.
والمكان اللي مات فيه أبويا.
أحمد نزل الأول، وبص حوالين المكان، بينما أمي فضلت جوه العربية للحظات.
قلت لها:
«ماما… متأكدة إنك تقدري تدخلي؟»
بصت للبيت وقالت:
«أنا قضيت خمسة وعشرين سنة بحاول أنسى المكان ده.»
وبعدين فتحت الباب.
«النهارده لازم أفتكره كله.»
دخلنا.
ريحة التراب والرطوبة كانت مالية المكان.
وأول ما دخلت الصالة، لمحت مكان كنت بقعد فيه وأنا طفلة.
حسيت إني سامعة صوت أمي. ضحكتها.
«أبويا كان خايف.»
أمي قربت مني.
«كملي.»
أحمد قرب.
«حاولي تفتكري.»
وفجأة افتكرت.
صوت الرجل.
«هات الدفاتر يا حسن.»
فتحت عيني.
وبصيت لأمي.
«كان اسمه سامح.»
أمي اتجمدت.
«سامح؟»
«آه.»
أمي حطت إيدها على بوقها.
وقالت:
«شريك محمود.»


