
بصيت لمريم وقلت:
— اقفلي كل المخارج، وخلي حمدي يتتبع أي عربية خرجت من المنطقة.
أمي قربت مني وهي بتعيط.
— ياسين، أنا عارفة هما أخدوها فين.
بصيت لها.
— فين؟
— في المخزن القديم بتاع جدك… المكان اللي كان بيستخدمه زمان قبل ما يبني أول شركة ليه.
بعد أقل من عشرين دقيقة، كنا هناك.
المكان كان مهجور، لكن النور كان شغال جوه.
دخلت وأنا ماسك سلاحي، وحمدي ورجالته ورايا.
سمعت صوت بكاء بنتي.
جريت ناحية الصوت.
لقيت فاروق واقف قدامها، وحواليه رجالة مسلحين.
قال:
— ارمي سلاحك يا ياسين، وإلا البنت هتموت.
رميت السلاح على الأرض.
— سيبها.
ضحك.
— فاكر إن كل ده عشان الفلوس؟
بصيت له.
— أمال عشان إيه؟
ابتسم.
— عشان الوصية.
طلع ورقة قديمة.
— جدك كتب إن الوريث الحقيقي لكل حاجة هو أول حفيد شرعي ليه. يعني بنتك.
— وإنت عايز إيه؟
— توقّع إنك تتنازل عن كل حقوقك، وبعدها آخد البنت وأعلن قدام الناس إنها الوريثة… وأنا أبقى الوصي عليها.
فهمت خطته.
هو مش عايز يقتلها.
كان عايز يستخدمها عشان يسيطر على كل حاجة.
قلت:
— موافق.
مريم بصت لي بدهشة.
— ياسين!
بصيت لها بسرعة.
كانت فاهمة.
إحنا كنا بنشتري وقت.
قربت من الترابيزة، ومضيت على الورق.
فاروق أخذ الورقة وابتسم.
لكن قبل ما يلمس بنتي، سمعنا أصوات سيارات شرطة في الخارج.
دخل رجال الأمن المكان بسرعة.
فاروق اتجمد.
قال:
— إنت عملت إيه؟
بصيت له.
— قبل ما أدخل، حمدي بعت كل المستندات اللي عندنا للنيابة.
مريم رفعت الفلاشة.
— وكل التحويلات والوثائق وشهادة الميلاد الحقيقية اتبعتت كمان.
أمي تقدمت وقالت:
— وأنا شهدت على كل حاجة.
فاروق حاول يهرب، لكن رجالة الأمن مسكوه.
وهو بيتسحب، بص لي وصرخ:
— إنت فاكر إنك كسبت؟ العيلة دي عمرها ما هتسيبك!
بصيت له بهدوء.
— أنا مش عايز العيلة دي تسيبني.
ثم نظرت لبنتي.
— أنا عايز أبدأ عيلة جديدة.
بعدها بأيام، اتكشفت كل الحقيقة.
فاروق اتحاكم على جرائمه.
والأطباء اللي شاركوا في تزوير الأوراق اتحاسبوا.
وأمي اعترفت بكل اللي عملته، لكنها وقفت قدام المحكمة وشهدت ضد أخوها.
أما أنا، فسلمت إدارة الشركات لفريق قانوني مستقل، وبدأت أصلح كل حاجة اتسرقت من أصحابها الحقيقيين.
لكن أهم شيء حصل كان في البيت.
بنتي بدأت تتعلم تناديني “بابا” كل يوم.
وفي أول ليلة نامت فيها في أوضتها الجديدة، حطيت جنب سريرها القبعة الوردية الصغيرة اللي احتفظت بيها سنة ونص.
فضلت واقف أبصلها وهي نايمة.
مريم وقفت جنبي وقالت:
— أخيرًا رجعت لك.
بصيت لبنتي.
وقلت:
— لأ… هي ما رجعتليش بس.
ثم ابتسمت.
— دي رجعتلي حياتي.
بعد شهور، اكتشفت إن زوجتي كانت سايبة لي رسالة أخيرة، مخبية داخل صندوق قديم.
فتحتها بإيدين مرتعشتين.
وكان مكتوب فيها:
“لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى بنتنا عاشت، وإنت عرفت الحقيقة. ما تخليش الكراهية تاخد منك باقي عمرك. ربّي بنتنا على الحب، مش الانتقام. وخليها تعرف إن أمها حبتها أكتر من أي حاجة في الدنيا.”
انهرت في البكاء.
ولأول مرة من خمس سنين، حسيت إن الحزن اللي كان ساكن جوايا بدأ يهدأ.
مشيت ناحية أوضة بنتي.
كانت بتلعب على الأرض.
أول ما شافتني، جريت عليّا.
— بابا!
شلتها وضميتها.
وقلت:
— أنا هنا.
ضحكت وقالت:
— وهتفضل معايا؟
بصيت في عينيها.
— لآخر يوم في عمري.
ومن اليوم ده، انتهت إمبراطورية الخوف اللي بنتها عيلتي على الكذب والخيانة.
وبدأت إمبراطورية جديدة…
إمبراطورية بنتها الثقة، والحب، والحق.
أما بنتي، اللي دفنتها في خيالي لمدة 18 شهرًا…
فهي اللي علّمتني إن بعض المعجزات بتتأخر، لكنها لما بتيجي…
بتغير الحياة كلها.
بعد 18 شهرًا من دفن ابنتي… اكتشفت أنها كانت حية!
حكايات شروق خالد



