
قلت للحارس:
«خد شريف ونادين، ومحدش يخرجهم من المستشفى.»
ثم التفت لسماح.
«إحنا لازم نروح مكتبي.»
قالت:
«بس حضرتك قلت إن الخزنة اتفتحت.»
«عشان كده لازم نرجع.»
وصلنا المكتب بعد دقائق.
الباب كان مفتوح.
الدرج مكسور.
والخزنة فعلًا كانت مفتوحة.
لكن الغريب…
إن الفلاشة السودا كانت موجودة.
مكانها.
لم تُسرق.
قربت منها.
لمستها.
ثم بصيت لسماح.
«هو ماكانش عايز الفلاشة.»
قالت:
«أمال كان عايز إيه؟»
رفعت الفلاشة.
«هو كان عايزني أفتكر إنها اتسرقت.»
«مش فاهمة.»
دخلت إيدي جوه الخزنة.
ولقيت ظرف صغير ملزوق في السقف من الداخل.
سحبته.
كان عليه اسمي.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
أول سطر فيها خلاني أتجمد.
«لو وصلت للرسالة دي، يبقى فؤاد خانك… لكن فؤاد مش العقل المدبر.»
بصيت لسماح.
وكملت القراءة.
«الشخص اللي أمر بقتلك موجود في بيتك من قبل الحادث.»
إيدي بدأت ترتعش.
«وهو الشخص الوحيد اللي عنده نسخة من مفتاح غرفتك.»
سماح قربت مني.
«مين؟»
قلبت الورقة.
وفي ظهرها كانت مكتوبة جملة واحدة:
«اسأل والدتك عن ليلة وفاة والدك.»
رفعت عيني ببطء.
والدتي ماتت من تلات سنين.
وأبي مات من عشرين سنة.
لكن الجملة دي كانت معناها إن موت أبويا…
ماكانش حادث.
وفي اللحظة نفسها، موبايلي رن.
رقم مجهول.
رديت.
جاء صوت امرأة عجوز أعرفه جيدًا.
صوت أمي.
وقالت:
«ياسين… لو سمعت الرسالة دي، يبقى أنا كنت عارفة إنهم هيحاولوا يقتلوك.»
اتجمد الدم في عروقي.
لأن أمي كانت ميتة من ثلاث سنين.
ثم قالت:
«وأنا عارفة مين اللي قتل أبوك.»
سكتت لحظة.
ثم همست:
«أخوك.»
حكايات شروق خالد
الصوت انقطع.
فضلت ماسك الموبايل وأنا مش قادر أتنفس.
سماح قربت مني وقالت:
«أستاذ ياسين… إنت كويس؟»
بصيت لها.
«أمي ماتت من تلات سنين.»
«أنا عارفة.»
«يبقى مين اللي بيتكلم بصوتها؟»
قبل ما ترد، الموبايل رن تاني.
نفس الرقم.
رديت فورًا.
لكن المرة دي ماكانش صوت أمي.
كان صوت رجل.
هادئ.
بارد.
قال:
«كنت عارف إنك هتسمع التسجيل.»
قلت:
«مين؟»
ضحك.
«مش مهم أنا مين.»
«لا، مهم.»
«المهم إنك قربت جدًا من الحقيقة.»
ضغطت على الموبايل.
«إنت اللي قتلت أبويا؟»
سكت.
ثم قال:
«أبوك ماكانش ملاك يا ياسين.»
«جاوبني.»
«أبوك كان عارف إن العيلة كلها مبنية على جريمة.»
سكتُّ.
«أي جريمة؟»
قال:
«جريمة بدأت قبل ما تتولد.»
ثم قفل.
بصيت لسماح.
«مين كان عنده أخ؟»
قالت باستغراب:
«حضرتك؟»
هزيت راسي.
«أنا ماكانش عندي أخ.»
سكتت.
ثم قالت:
«يمكن يكون فيه حاجة حضرتك مش عارفها.»
فتحت الورقة مرة تانية.
بصيت للجملة.
«أخوك.»
فجأة افتكرت حاجة.
صورة قديمة جدًا كانت في بيتنا.
صورة لوالدي وهو واقف قدام مصنع قديم، وبجانبه ولد صغير.
كنت دايمًا فاكر إن الولد ده ابن واحد من العمال.
لكن والدي كان مخبي الصورة.
دخلت مكتبي بسرعة، وفتحت درج قديم.
طلعت منه ألبوم صور.
بدأت أقلب.
لحد ما لقيتها.
الصورة نفسها.
أنا صغير، واقف جنب أمي.
وأبي في الناحية التانية.
وبجانبه طفل أكبر مني بحوالي أربع سنين.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط أمي:
«ياسين… وحسام.»
سماح بصتلي.
«حسام؟»
قلت:
«أنا طول عمري فاكر إن اسمي الوحيد ياسين.»
سكت.
«مين حسام؟»
قبل ما أجاوب، الباب اتفتح.
الحارس دخل وهو بيجري.
«أستاذ ياسين!»
«إيه؟»
«شريف هرب.»
اتجمدت.
«إزاي؟»
«اتنقلنا بيه تحت، وفجأة الكهرباء قطعت. ولما النور رجع… كان اختفى.»
«ونادين؟»
«اختفت هي كمان.»
بصيت لسماح.
كل الخيوط بدأت تتجمع.
فؤاد.
الدكتور سامح.
شريف.
نادين.
والأخ المجهول.
حسام.
قلت:
«فين عربية شريف؟»
«في الجراج.»
«وعربية نادين؟»
«مش موجودة.»
جريت ناحية الجراج.
سماح جريت ورايا.
وصلنا لعربية نادين.
الباب كان مفتوح.
والمقعد الخلفي عليه ظرف.
فتحته.
جواه صورة.
صورة لرجل في الأربعينات.
نفس شكل والدي.
نفس عينيه.
لكن كان فيه شيء في الصورة خلاني أحس بقشعريرة.
على ظهرها مكتوب:
«حسام موريتي… أخوك الذي لم تعرفه.»
سماح قالت:
«يعني عندك أخ فعلًا.»
هزيت راسي.
«كان عندي.»
«كان؟»
بصيت للصورة.
«لأن أمي قالت إنه مات.»
وفجأة لقيت ورقة تانية جوه الظرف.
فتحتها.
كان مكتوب:
«أمك كذبت عليك.»
تحتها عنوان.
عنوان بيت قديم في منطقة شعبية في القاهرة.
وتحت العنوان جملة:
«لو عايز تعرف الحقيقة، روح لوحدك.»
سماح قالت:
«مش هتروح لوحدك.»
بصيت لها.
«الموضوع خطر.»
«وأنا مش هسيبك.»
«سماح، ممكن تموتي.»
قالت:
«وأنت كمان.»
سكتُّ.
ثم قلت:
«خلاص. نروح.»
ركبنا العربية.
طول الطريق، كنت بفكر في نفس السؤال.
لو حسام أخويا فعلًا…
ليه أمي قالت إنه مات؟
وليه فؤاد وشريف ونادين كلهم كانوا مستعدين يقتلوني؟
وصلنا للعنوان بعد حوالي نص ساعة.
كان بيت قديم في حارة ضيقة.
نزلت من العربية.
سماح مسكت دراعي.
«خلي بالك.»
دخلنا.
البيت كان فاضي.
لكن في الصالة كانت فيه ترابيزة صغيرة.
وعليها تسجيل صوتي.
ضغطت تشغيل.
وصوت أمي ظهر من جديد.
«ياسين… لو وصلت هنا، يبقى خلاص مفيش وقت.»
قعدت.
«حسام كان ابن أبوك من واحدة تانية.»
اتجمدت.
«لكن أبوك رفض يعترف بيه. وبعد ما الست ماتت، أبوك أخد حسام ورباه بعيد عن العيلة.»
صوت أمي بدأ يرتعش.
«حسام كبر وهو شايل كره كبير لأبوك… ولينا.»
ثم سكتت.
«لكن الحقيقة اللي ماكنتش تعرفها إن أبوك ماكانش سبب موت أمه.»
شهقت.
«أنا كنت السبب.»
سماح بصتلي.
صوت أمي استمر:
«أنا قتلتها.»
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
«كنت فاكرة إنها هتخطف أبوك مني. ولما عرفت إنها حامل، فقدت عقلي.»
ثم قالت:
«لكن حسام عرف الحقيقة بعد سنين.»
التسجيل سكت ثواني.
«وهو ماقتلش أبوك.»
ثم جاءت الجملة التي غيرت كل شيء:
«أنا اللي قتلت أبوك.»
فضلت ساكت.
سماح قربت مني.
«أستاذ ياسين…»
لكن التسجيل كمل.
«وحسام شافني وأنا بقتله.»
غمضت عيني.
«ومن يومها، حسام أقسم إنه هيدمر كل حاجة أنا بنيتها.»
التسجيل انتهى.
فضل الصمت.
ثم سمعنا صوت تصفيق من خلفنا.
ببطء، التفت.
رجل واقف عند باب الصالة.
كان طويل.
شعره أسود.
وعينيه نفس عيني أبي.
قال:
«أخيرًا عرفت.»
بصيت له.
«حسام؟»
ابتسم.
«أخوك.»
سماح وقفت جنبي.
أما أنا، فبصيت له وأنا مش قادر أصدق.
قال:
«بس فيه حاجة واحدة لسه ماعرفتهاش.»
«إيه؟»
قرب خطوة.
وقال:
«أنا ماكنتش عايز أقتلك يا ياسين.»
سكت.
«أنا كنت عايزك تساعدني.»
«في إيه؟»
ابتسم.
«في قتل الشخص اللي قتل أبونا.»
قلت:
«أمي ماتت.»
ضحك.
«أنا مش بتكلم عن أمك.»
ثم أشار إلى الباب.
«أنا بتكلم عن فؤاد.»
تجمدت.
قال:
«فؤاد هو اللي قتل أمك.»
وقبل ما أستوعب كلامه، دوّى صوت رصاصة من الخارج.
حسام اندفع ناحيتي.
سماح صرخت.
والزجاج اتكسر.
رصاصة عدت فوق رأسي بمليمترات.
حسام شدني للأرض.
ثم قال:
«وصلوا لنا.»
بصيت له.
«مين؟»
رفع مسدسه.
وبص ناحية الباب.
وقال:
«الناس اللي بقالها عشرين سنة بتحكم عيلتك من ورا الستار.»
ثم أضاف:
«والنهارده… جايين يقتلوا آخر اتنين من عيلة موريتي.»
حكايات شروق خالد
حسام شدني من ياقة القميص ووقعني على الأرض قبل ما الرصاصة التانية تخترق الحيطة فوق راسي.
سماح كانت متكومة جنب الكنبة، وشها شاحب، لكن عينيها كانت ثابتة.
صرخت لها:
«سماح! انزلي تحت!»
حسام قرب من الشباك وبص بحذر.
«عددهم كتير.»
قلت:
«كام؟»
«مش أقل من ستة.»
«إحنا نخرج منين؟»
بص لي.
«من ورا.»
«إنت عارف البيت؟»




