
ابتسم ابتسامة غريبة.
«أنا عشت هنا.»
بصيت له.
«إزاي؟»
«ده كان بيت أمي.»
سكت لحظة.
«أمي الحقيقية.»
قبل ما أسأله، سمعنا صوت باب البيت بيتكسر.
حسام أشار لنا ناحية الممر.
«يلا.»
جريت أنا وسماح وراه.
دخلنا أوضة صغيرة في آخر البيت.
حسام زق دولاب قديم، وظهر وراه باب ضيق.
سماح بصت باستغراب.
«ده إيه؟»
قال:
«نفق.»
«نفق؟»
«أبويا بناه من سنين.»
نزلنا السلم.
كان ضيق ومظلم.
حسام نزل الأول، وأنا وراه، وسماح كانت ماسكة في هدومي.
وفوقنا مباشرة سمعنا رجال بيقتحموا البيت.
واحد منهم صرخ:
«فتشوا كل الأوض!»
حسام همس:
«محدش يتكلم.»
مشينا حوالي خمس دقايق.
وصلنا لباب حديد.
حسام فتحه.
خرجنا في شارع جانبي.
كانت عربية سودا مستنيانا.
ركبنا.
أول ما تحركت، بصيت لحسام.
«عايز أفهم كل حاجة.»
قال:
«هتفهم.»
«فؤاد مين؟»
«فؤاد مش مجرد محامي.»
«عارف.»
«هو كان شريك أبوك.»
سكت.
«قبل ما أبوك يموت، كان فيه شبكة كاملة بتشتغل تحت اسم العيلة. تهريب أموال، ابتزاز، صفقات سياسية… أبوك حاول يخرج منها.»
قلت:
«وعشان كده اتقتل؟»
«أيوه.»
«وأمي؟»
«عرفت الحقيقة.»
«فقتلت أبويا؟»
هز راسه.
«كانت فاكرة إنها بتحمي العيلة.»
بصيت من الشباك.
«طيب وإنت؟»
حسام سكت.
«إنت كنت فين كل السنين دي؟»
«برا مصر.»
«ليه رجعت دلوقتي؟»
بص لي.
«عشان فؤاد بدأ ينفذ آخر جزء من الخطة.»
«إيه الخطة؟»
قال:
«موتك.»
«وبعد موتي؟»
«ياخد كل حاجة.»
سماح قالت:
«بس ليه يقتل ياسين وهو عنده نادين وشريف؟»
حسام ابتسم.
«عشان هما مش أصحاب القرار.»
بصيت له.
«مين؟»
قبل ما يرد، موبايله رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
«مين؟»
قال:
«فؤاد.»
مد إيده للموبايل.
«ماتردش.»
لكن حسام رد.
«اتكلم.»
جاء صوت فؤاد من الناحية التانية:
«أنت عارف إنك بتضيع وقتك يا حسام.»
حسام قال:
«إنت اللي ضيعت عشرين سنة.»
ضحك فؤاد.
«أبوك كان غبي.»
قلت بصوت عالي:
«وأمي؟»
سكت فؤاد.
ثم قال:
«أمك كانت أذكى مما تتخيل.»
«هي اللي قتلته؟»
«هي ضغطت على الزناد.»
حسام شد على الموبايل.
فؤاد كمل:
«لكن أنا اللي حطيت الرصاصة في المسدس.»
سكتنا جميعًا.
ثم قال:
«وهي عاشت باقي عمرها وهي فاكرة إنها قاتلة.»
قفلت المكالمة.
حسام كان بيبص قدامه.
قلت:
«يعني إنت كنت عارف؟»
«عرفت من فترة.»
«وليه ماقولتليش؟»
«لأني كنت محتاجك تصدق إن أمك هي العدو.»
صرخت:
«إنت استخدمتني!»
حسام ما ردش.
سماح بصتلي.
«أستاذ ياسين…»
قلت:
«متدافعيش عنه.»
ثم بصيت لحسام.
«أنا مش عايز أنتقم لأبويا.»
رفع عينه.
«عايز إيه؟»
قلت:
«عايز الحقيقة كلها.»
قال:
«الحقيقة كلها موجودة في مكان واحد.»
«فين؟»
«بيتكم القديم.»
«الفيلا؟»
«أيوه.»
«بس البيت اتباع من سنين.»
هز راسه.
«البيت لسه بتاعك.»
اتجمدت.
«إزاي؟»
«لأن أبوك كتب ملكيته باسمك قبل ما يموت.»
«أنا ماعرفتش.»
«فؤاد خبّى الورق.»
سماح سألت:
«وليه؟»
حسام بص لها.
«لأن فيه غرفة سرية تحت البيت.»
رجعت أنظر له.
«جواها إيه؟»
قال:
«كل حاجة.»
وصلنا للفيلا بعد منتصف الليل.
كانت مهجورة من سنين.
الباب اتفتح بالمفتاح اللي حسام كان محتفظ بيه.
دخلنا.
ريحة التراب والرطوبة كانت مالية المكان.
مشيت وسط الصالة.
كل حاجة كانت زي ما فاكرها وأنا طفل.
حتى صورة أبويا كانت معلقة فوق المدفأة.
وقفت قدامها.
لمست إطارها.
وفجأة حسيت بحاجة غريبة.
الإطار اتحرك.
بصيت لحسام.
«إنت عارف؟»
هز راسه.
«حركه.»
حركته.
ظهر تجويف صغير في الحيطة.
جواه مفتاح نحاس قديم.
أخذته.
حسام قال:
«انزل.»
نزلنا للقبو.
في آخر الحائط كان فيه باب حديد.
المفتاح دخل بسهولة.
فتحته.
الغرفة كانت مليانة ملفات.
صور.
تسجيلات.
عقود.
وحسابات.
وفي منتصف الغرفة كان فيه جهاز تسجيل قديم.
ضغطت زر التشغيل.
صوت أبي ظهر.
«لو حد بيسمع التسجيل ده، يبقى أنا مت.»
قلبت اتقبض.
«أنا عارف إن فؤاد هيحاول يقتلني.»
سماح قربت.
«وعارف إن مراتي ممكن تكون السبب.»
صوت أبي ارتعش.
«لكن أكبر خطر مش فؤاد.»
بصيت لحسام.
التسجيل كمل:
«أكبر خطر هو ابني الآخر.»
حسام اتجمد.
قلت:
«إنت.»
لكنه هز راسه.
«استنى.»
التسجيل استمر:
«حسام مش ابني اللي أخاف منه.»
سكت أبي لحظة.
ثم قال:
«الخطر هو ياسين.»
اتجمدت.
سماح بصتلي.
حسام قرب من الجهاز.
صوت أبي كمل:
«لو كبرت يا ياسين وسمعت التسجيل ده، لازم تعرف إنني أخفيت عنك الحقيقة لأنك كنت آخر أمل للعيلة.»
ثم جاءت الجملة التي قلبت كل شيء:
«أنت مش ابني البيولوجي.»
حسيت الدنيا بتلف بيا.
سماح مسكت دراعي.
«ياسين…»
لكن التسجيل لم يتوقف.
«أمك أخدتَك من مستشفى حكومي بعد وفاة طفلها، وربتك باعتبارك ابني.»
حسام بص لي.
وشه كان مصدوم.
صوت أبي قال:
«حسام هو ابني الحقيقي.»
سكت.
«أما ياسين…»
ثم انقطع التسجيل فجأة.
بصيت للجهاز.
«إيه؟»
حسام قرب منه.
«الشريط خلص.»
صرخت:
«لا!»
ضربت الجهاز بإيدي.
«لا! لازم يكون فيه باقي.»
وفجأة سمعنا صوت تصفيق من خلفنا.
التفتنا.
كان فؤاد واقف عند باب الغرفة.
وفي إيده مسدس.
وراه نادين.
وشريف.
والدكتور سامح.
ابتسم فؤاد.
وقال:
«أخيرًا… عرفت إنك مش ابنهم.»
ثم وجه المسدس ناحيتي.
«لكن لسه ماعرفتش أنت ابن مين.»
سماح وقفت قدامي.
فؤاد ضحك.
«البنت دي لسه بتحاول تحميك؟»
ثم نظر لي مباشرة.
وقال:
«اسألها.»
اتجمدت.
«أسألها عن إيه؟»
فؤاد ابتسم.
«عن سبب وجودها الحقيقي في بيتك من ست شهور.»
بصيت لسماح.
هي شحبت.
«سماح؟»
رجعت خطوة.
«قولي له.»
قلت:
«إنتِ مين؟»
سماح بدأت تبكي.
لكنها ما ردتش.
فؤاد قال:
«هي مش خادمة يا ياسين.»
ثم رفع المسدس.
«دي بنت الرجل اللي قتل أبوك.»
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




