
لكن في نفس اللحظة، وصل خادم القصر مسرعًا.
“يا سليم بيه!”
سليم التفت.
“في إيه؟”
الخادم مد له ظرفًا بنيًا.
“الظرف ده وصل من المدينة.”
سليم فتحه.
قرأ أول سطر.
وتغير وجهه.
سلمى لاحظت ذلك.
“في إيه؟”
رفع سليم عينيه إليها.
وقال:
“الجوابات اللي لقيناها مش كل الحقيقة.”
فتح الظرف وأخرج صورة قديمة.
صورة لزوجته الراحلة وهي واقفة أمام مبنى قديم…
وبجوارها رجل لم يكن جمال.
كان والد سليم نفسه.
وعلى ظهر الصورة، كانت هناك جملة واحدة:
“لو حصل لي حاجة، ابحث عن الرجل الذي يعرف سر ليلة الحريق.”
سليم بص لسلمى.
والفرحة اللي كانت في عينيه اختفت تمامًا.
لأن ليلة وفاة زوجته…
لم تكن الحكاية التي ظنها طوال السنوات الماضية.
وكان السر الحقيقي مدفونًا داخل قصر المنصوري نفسه.
حكايات شروق خالد
سليم فضل ماسك الصورة في إيده، كأنه خايف يحركها فتختفي الحقيقة اللي عاش عمره كله بيهرب منها.
سلمى قربت منه.
“مين الراجل اللي في الصورة؟”
سليم ما ردش.
بص للصورة مرة تانية، وبعدين قال بصوت منخفض:
“أبويا.”
ملك ونور كانوا واقفين بعيد، لكن سلمى أشارت للخادمة تاخدهم لغرفتهم.
لما بقوا لوحدهم، قالت:
“بس إنت قلت لي إن والدك مات قبل وفاة مراتك بسنين.”
“مات.”
“أمال الصورة دي؟”
سليم قلب الصورة.
“الصورة اتاخدت قبل وفاته بشهر.”
سكت.
وبعدين قال:
“أنا كنت فاكر إن أبويا كان عارف إن مراتي بتخوني. عشان كده حصلت بينهم خناقات كتير. لكن لو الرسالة دي حقيقية… يبقى أبويا كان عارف حاجة أخطر.”
سلمى لمست الجملة المكتوبة خلف الصورة.
“سر ليلة الحريق.”
رفعت عينيها.
“أي حريق؟”
سليم وشه تغير.
“حريق المخزن القديم.”
“اللي مراتك ماتت فيه؟”
هز رأسه.
“لا.”
سكت لحظة.
“الحريق اللي مات فيه أخوها.”
سلمى اتصدمت.
“إيه؟”
سليم قعد على أقرب كرسي.
“قبل وفاة مراتي بسنة، حصل حريق في مخزن تابع للعيلة. أخوها كان موجود هناك. قالوا إنه مات وهو بيحاول ينقذ العمال.”
“وجمال؟”
“جمال قال إن أبويا هو اللي أمر بإغلاق المخزن رغم وجود عمال جواه.”
سلمى بدأت تربط الأحداث.
“يعني جمال كان عنده سبب يكره أبوك.”
“وأنا.”
“بس ليه يقتل أختك؟”
سليم رفع عينيه لها.
“يمكن لأنها اكتشفت إن جمال هو اللي أشعل الحريق.”
سكتت سلمى.
وبعدين همست:
“والجوابات؟”
“مراتي كانت بتجمع الأدلة.”
سليم وقف فجأة.
“لكن لو كانت عارفة الحقيقة، ليه ما قالتليش؟”
سلمى ردت بهدوء:
“يمكن كانت خايفة منك.”
الكلمة وجعته.
“مني؟”
“يمكن كانت فاكرة إنك هتصدق أخوك مش هي.”
سليم ما ردش.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت تكسير جاي من الدور العلوي.
سلمى انتفضت.
“البنات!”
جروا ناحية السلم.
لكن قبل ما يوصلوا، شافوا باب غرفة المكتب مفتوح.
والنافذة مكسورة.
والظرف اللي كان سليم ماسكه اختفى.
سليم جرى ناحية النافذة.
حد كان واقف تحت الشجرة.
رجل لابس معطف أسود.
وقبل ما يهرب، رفع إيده ورمى شيئًا على الأرض.
سليم نزل وأخذه.
كان خاتمًا فضيًا.
سلمى أول ما شافته، وشها اتغير.
“الخاتم ده…”
سليم بص لها.
“إنتِ تعرفيه؟”
هزت رأسها ببطء.
“أيوه.”
“بتاع مين؟”
سلمى بلعت ريقها.
“كان مع الراجل اللي ساعدني أول يوم وصلت فيه وادي النخيل.”
سليم اتجمد.
“أي راجل؟”
“واحد شفته قبل ما أدخل الفندق.”
“كان بيشتغل إيه؟”
“مش عارفة.”
“شكله؟”
سلمى غمضت عينيها تحاول تفتكر.
“كان كبير في السن… وعنده ندبة طويلة جنب عينه.”
سليم شحب.
“مستحيل.”
“مين؟”
سليم قبض على الخاتم.
“ده حارس أبويا القديم.”
“فاكر إنه مات.”
وقبل ما سلمى تسأله، جاء صوت ملك من أعلى السلم:
“بابا…”
الاتنين رفعوا رأسهم.
ملك كانت واقفة وهي ماسكة ورقة.
“لقيتها تحت سريري.”
سليم أخذ الورقة.
كانت قصيرة.
ثلاث كلمات فقط:
“اسألوا سلمى عن أبيها.”
سلمى تجمدت.
“أبويا؟”
سليم بص لها.
“إنتِ والدك كان مين؟”
صوتها خرج ضعيفًا:
“أنا عمري ما شفت أبويا.”
“إيه؟”
“أمي قالت لي إنه مات وأنا صغيرة.”
فتحت الورقة بإيد مرتعشة.
لكن قبل ما تكمل، سقط منها ظرف صغير.
وعليه اسمها.
سلمى جابر.
فتحت الظرف.
وفي داخله صورة قديمة جدًا.
صورة طفلة صغيرة…
واقفة بين رجل وامرأة.
سلمى قربت الصورة من وجهها.
المرأة كانت أمها.
أما الرجل…
فكان نفس الرجل الموجود في صورة والد سليم.
سلمى شهقت.
“ده…”
سليم أخذ الصورة.
وبص للرجل.
ثم بص لسلمى.
وقال:
“ده مش أبويا.”
سكت لحظة.
“ده عمي.”
سلمى حست إن الأرض بتتحرك تحتها.
“عَمّك؟”
سليم هز رأسه.
“وعمي مات من خمسة وعشرين سنة.”
ثم قلب الصورة.
وفي ظهرها كان مكتوب:
“سلمى هي المفتاح. لو وصلت للحقيقة، جمال مش هيقدر يدفنها تاني.”
سليم رفع عينيه لها.
ولأول مرة منذ عرفها، كان الخوف واضحًا في عينيه.
“سلمى…”
“نعم؟”
“إنتِ مش دخلتي حياتي بالصدفة.”
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت أنوار القصر كلها.
ومن الطابق السفلي…
اتسمع صوت طلقة نار.
صرخت ملك.
وسليم سحب سلمى خلفه.
ثم قال:
“خدي البنات وادخلي أوضة النوم.”
لكن سلمى هزت رأسها.
“مش المرة دي.”
وبصت له بثبات.
“المرة دي هنواجههم سوا.”
ومن الظلام…
جاء صوت رجل عجوز:
“وأخيرًا… رجع الحق لأصحابه.”
سليم رفع السلاح.
وسلمى حبست أنفاسها.
لأن الصوت…
كان نفس الصوت الذي سمعته قبل دخولها الفندق بأيام.
صوت الرجل الذي أعطاها أول تفاحة أنقذت حياتها.
وصوت الرجل الذي كان يعرف اسمها الحقيقي قبل أن تعرفه هي نفسها.
ثم ظهرت صورته عند باب القصر.
وقال:
“يا سلمى جابر… أبوكي ما ماتش.”
سلمى شهقت.
“إيه؟!”
ابتسم الرجل.
“أبوكي عايش.”
ثم أضاف:
“وهو اللي بعتني أحميكي من اليوم اللي خرجتي فيه من بيتك.”
لكن قبل ما يكمل…
جاء صوت سيارة مسرعة من الخارج.
والرجل اختفى في الظلام.
سليم جرى للباب.
وسلمى لحقت به.
وفي آخر الطريق، كانت عربية سوداء بتبعد عن القصر.
لكن على زجاجها الخلفي…
كانت هناك ورقة ملتصقة.
سليم نزعها.
قرأها.
ثم بص لسلمى.
“هو عايزنا نروح الجبل.”
“مين؟”
سليم شد على الورقة.
“أبوكي.”
وسكت.
“واللي مستنينا هناك… ممكن يكون السبب الحقيقي في كل اللي حصل لعيلتنا.”
أما سلمى، فكانت تنظر إلى الجبل البعيد.
لأول مرة في حياتها…
كان عندها أب.
لكنها لم تكن تعرف هل ستجده…
أم ستجد قاتل أمها.
حكايات شروق خالد
ما إن اختفت العربية السوداء بين الأشجار، حتى سليم أمر رجاله يقفلوا كل مداخل القصر.
لكن سلمى كانت واقفة مكانها، عينيها معلقة بالجبل.
“أبويا عايش…”
قالتها كأنها بتحاول تصدق الكلمة.
سليم قرب منها.
“مش لازم نروح.”
بصت له.
“لازم.”
“ممكن يكون فخ.”
“ولو فخ، يبقى لازم أعرف مين اللي بيحرك الخيوط.”
سليم سكت.
سلمى كملت:
“أنا طول عمري فاكرة إن أبويا سابني. طلعت فيه أسرار حواليا وأنا آخر واحدة تعرف.”
“مش هتروحي لوحدك.”
بصت له.
“وأنت؟”
“أنا جوزك.”
سلمى ابتسمت بحزن.
“إحنا اتجوزنا عشان مصلحة.”
سليم قرب خطوة.
“المصلحة انتهت من زمان.”
قلبها دق.
“أمال إحنا إيه دلوقتي؟”
قبل ما يرد، خرجت ملك ونور من خلف الباب.
نور مسكت إيد سلمى.
“هنروح معاكي.”
سليم هز رأسه فورًا.
“لا.”
ملك رفعت عينيها.
“إحنا مش هنسيب ماما.”
الكلمة خلت سلمى تتجمد.
أما سليم، ففضل ساكت.
نور قربت منه.
“ماما سلمى.”
سليم أغمض عينيه للحظة.
وبعدين نزل لمستوى بنتيه.
“هي مش هتسيبكم.”
وبص لسلمى.
“ولا أنا.”
في صباح اليوم التالي، خرجت العائلة من القصر.
العربيات دخلت طريق الجبل، والطريق كان ضيقًا لدرجة إن العربيات اضطرت تمشي واحدة ورا التانية.
بعد ساعتين، وصلوا لكوخ حجري قديم.
سليم نزل الأول.
سلمى نزلت وراه.
لكن قبل ما يطرق الباب، اتفتح لوحده.
وظهر الرجل العجوز.
نفس الندبة.
نفس الخاتم.
ونفس النظرة اللي كانت سلمى فاكرها من أول مرة شافته.
قال:
“كنت عارف إنك هتيجي.”
سلمى تقدمت.

