روايات وقصص

اتجوزت الراجل الجبلي عشان تنقذ بناته… حكايات شروق خالد

“أبويا فين؟”

الرجل أشار للداخل.

“ادخلي.”

سليم وقف قدامها.

“هتدخل معايا.”

الرجل ابتسم.

“إنت مش فاهم.”

“إيه اللي مش فاهمه؟”

“أبوك الحقيقي مش هو الراجل اللي إنت طول عمرك فاكره أبوك.”

سليم اتجمد.

سلمى بصت له.

“يعني إيه؟”

الرجل دخل الكوخ.

“ادخلوا.”

في منتصف الغرفة، كانت فيه خريطة كبيرة للجبل.

وعليها علامات حمراء.

الرجل أشار لأحدها.

“هنا حصل الحريق.”

ثم أشار لعلامة تانية.

“وهنا كانت آخر مرة شوفت فيها والدك الحقيقي.”

سليم قبض إيده.

“مين والدي الحقيقي؟”

الرجل رد:

“الرجل اللي اتقتل اسمه المنصوري ما كانش أبوك.”

“أمال مين؟”

الرجل بص لسلمى.

“أبو سلمى.”

الصمت نزل عليهم.

سليم بص لسلمى.

وسلمى كانت شبه عاجزة عن الكلام.

الرجل كمل:

“والدك كان شريك والد سلمى في المناجم.”

“شريك؟”

“وأقرب صاحب ليه.”

ثم أخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

فتحه.

وكان بداخله دفتر قديم.

سليم أخذه.

فتح أول صفحة.

وكان فيها توقيع والد سلمى.

وتوقيع رجل آخر.

ثم قال الرجل:

“الاتنين اكتشفوا إن المنجم فيه شبكة تهريب، وإن جمال كان جزءًا منها.”

سلمى همست:

“عشان كده أمي…”

“أمك عرفت.”

“وأبويا؟”

الرجل سكت.

“أبوك حاول يهربك.”

سلمى بدأت تبكي.

“هربني ليه؟”

“لأن جمال كان عايز يتخلص منك كمان.”

سليم أمسك يدها.

“لكن إنت قلت إن أبوها عايش.”

الرجل أومأ.

“هو عايش.”

“فين؟”

الرجل أشار إلى باب خلفي.

“جوا.”

سلمى وقفت مكانها.

قلبها كان بيضرب بعنف.

مشيت ببطء ناحية الباب.

فتحت المقبض.

الغرفة كانت مظلمة.

ثم سمعت صوت رجل من الداخل:

“سلمى؟”

اتسمرت.

الصوت كان غريبًا…

لكن فيه شيء مألوف.

دخلت خطوة.

الرجل كان جالسًا على كرسي، ظهره لها.

“أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.”

سلمى قربت.

“لف.”

الرجل التفت.

وعينيها اتسعت.

كان في منتصف الخمسينات.

ملامحه تشبهها بشكل مخيف.

نفس العينين.

نفس شكل الأنف.

ونفس الشامة الصغيرة قرب الأنف.

سلمى حطت إيدها على بوقها.

“بابا…”

الرجل انهار في البكاء.

“سامحيني.”

سلمى جريت عليه.

ولأول مرة في حياتها…

دخلت حضن أبوها.

لكن اللحظة ما استمرتش طويلًا.

لأن أبوها أبعدها عنه فجأة وقال:

“لازم تمشي.”

سليم قرب.

“ليه؟”

الرجل بص له بخوف.

“جمال مش الخطر الوحيد.”

سليم عقد حاجبيه.

“مين تاني؟”

والد سلمى بص ناحية الباب.

“الرجل اللي قتل أمك…”

ثم أضاف:

“هو نفس الرجل اللي قتل والدك.”

سليم اتجمد.

“والدي؟”

“أيوه.”

“مين هو؟”

والد سلمى أمسك كتف ابنته.

“الرجل اللي كنت فاكر إنه أبوك.”

سليم ما فهمش.

“يعني إيه؟”

الرجل قال:

“والدك الحقيقي ما ماتش في الحريق.”

سكت لحظة.

“اللي مات كان أخوه.”

ثم نظر لسلمى.

“والراجل اللي ربّاك باسم المنصوري…”

رفع عينيه إلى سليم.

“هو اللي سرق اسم أبوك، واستولى على كل حاجة.”

سليم تراجع خطوة.

كل حياته…

كل اسمه…

كل عيلته…

مبنية على كذبة.

وفجأة، جاء صوت انفجار هائل من الخارج.

الكوخ اهتز.

الزجاج تحطم.

وسقطت ملك ونور أرضًا من شدة الانفجار.

سلمى صرخت:

“البنات!”

جرت ناحيتهما.

لكن قبل ما توصل…

ظهر جمال عند باب الكوخ.

وفي إيده مسدس.

ابتسم.

“وحشتني يا بنت أختي.”

سليم وقف أمام سلمى والبنات.

جمال رفع السلاح.

“النهارده هتخلص آخر خيوط الحكاية.”

لكن والد سلمى وقف ببطء.

وقال جملة جعلت جمال ينهار وجهه:

“إنت مش عارف مين أنا، يا جمال.”

ثم رفع كم قميصه…

وكشف عن ندبة قديمة على ذراعه.

جمال تراجع.

“مستحيل…”

ابتسم والد سلمى.

“أنا كنت موجود ليلة الحريق.”

“وأنا اللي شفتك وأنت بتشعل النار.”

جمال بدأ يهرب.

لكن سليم انقض عليه وأسقط السلاح من يده.

وفي الخارج، بدأت سيارات الشرطة تقترب.

سلمى بصت لأبوها بدهشة.

“إنت اللي بلغت الشرطة؟”

هز رأسه.

“من شهور.”

ثم نظر إلى سليم.

“بس كان لازم أجمع الدليل الأخير.”

سليم سأله:

“إيه الدليل؟”

والد سلمى أشار إلى الدفتر.

“كل التحويلات، كل الأسماء، وكل جرائم جمال موجودة هنا.”

ثم ابتسم لسلمى.

“وأمك كتبت آخر صفحة بنفسها.”

سلمى فتحت الدفتر.

في آخر صفحة كانت جملة واحدة:

“لو سلمى كبرت وقرأت الكلام ده، قولي لها إني ما سبتهاش… أنا متّ وأنا بحاول أحميها.”

انهارت سلمى بالبكاء.

سليم احتضنها.

وملك ونور قربوا منها.

ولأول مرة، ما كانتش سلمى واقفة قدامهم كزوجة مؤقتة.

كانت واقفة كأم.

كابنة.

وكجزء حقيقي من عيلة المنصوري.

لكن وهي بتبكي في حضن سليم، همس والدها:

“لسه في حاجة ما قلتهاش لك.”

سلمى رفعت رأسها.

“إيه؟”

بص لأبو سليم في الصورة القديمة.

وقال:

“الراجل ده…”

وأشار للصورة.

“كان عنده ابن تاني.”

سليم عقد حاجبيه.

“أخويا؟”

والد سلمى هز رأسه.

“لا.”

ثم نظر مباشرة إلى سلمى.

“كان عنده بنت.”

سكت.

“والبنت دي عايشة.”

وفي اللحظة نفسها…

وصلت سيارة سوداء أمام الكوخ.

ونزلت منها امرأة أنيقة.

كانت تحمل صورة قديمة في يدها.

وبمجرد ما شافت سلمى…

ابتسمت.

وقالت:

“أخيرًا… لقيتك يا أختي.”

سلمى فضلت واقفة مكانها.

“أختي؟”

المرأة قربت منها ببطء.

كانت في أواخر الثلاثينات، ملامحها هادئة، لكن عينيها كان فيهم حزن سنين طويلة.

مدت الصورة لسلمى.

“دي صورتنا وإحنا أطفال.”

سلمى أخذت الصورة.

كانت طفلة صغيرة جدًا واقفة جنب أمها.

وبجانبها طفلة أخرى، أصغر منها بعام تقريبًا.

قلب سلمى بدأ يدق.

“أنا… مش فاكرة.”

المرأة ابتسمت بحزن.

“طبيعي. كنتِ صغيرة لما أخدوني.”

والد سلمى قال:

“اسمها ليلى.”

سليم بص له.

“إزاي؟”

ليلى ردت:

“لأن والدنا كان متأكد إن جمال هيحاول يقتلنا كلنا. فسلّموني لعيلة بعيدة، وغيروا اسمي.”

سلمى قربت منها.

“طب ليه رجعتي دلوقتي؟”

ليلى سكتت لحظة.

“عشان أعرف الحقيقة.”

ثم نظرت إلى جمال، الذي كان محاصرًا من رجال الشرطة.

“وأنا عرفت جزء منها.”

جمال صرخ:

“ما تسمعيش لها!”

ليلى لم تلتفت إليه.

قالت:

“جمال قتل أخويا.”

سليم شد فكه.

“أخوكي؟”

“أخويا من أبويا.”

ثم نظرت إليه.

“أبوك الحقيقي.”

سليم اتجمد.

ليلى أخرجت ملفًا من حقيبتها.

“والدك الحقيقي كان اسمه يوسف المنصوري.”

سليم أخذ الملف.

كانت بداخله أوراق رسمية، صور، وتحويلات مالية.

“يوسف كان شريك والد سلمى. ولما اكتشفوا شبكة التهريب، قرروا يبلغوا الشرطة.”

والد سلمى أكمل:

“لكن جمال سبقهم.”

ليلى قالت:

“أشعل الحريق في المخزن.”

سليم بص لوالد سلمى.

“وأنت؟”

“حاولت أنقذ يوسف.”

“وفشلت.”

هز رأسه.

“خرجت وأنا فاكر إنه مات.”

ليلى قالت:

“لكنه عاش.”

سليم رفع رأسه بسرعة.

“إيه؟”

“يوسف عاش.”

الصمت عم المكان.

“إزاي؟”

ليلى فتحت ملفًا آخر.

“جمال ضربه واعتقد إنه مات. لكن مجموعة من العمال أنقذته. كان مصابًا وفقد جزءًا من ذاكرته.”

سليم تراجع خطوة.

“أين هو؟”

ليلى بصت لوالد سلمى.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى