روايات وقصص

عقل وسط الشحوم:ج2 حكايات شروق خالد

ابتلع مالك ريقه بصعوبة، وصوته يخونه قليلاً من شدة المفاجأة: “يا فندم.. عشرة أضعاف؟ ده.. ده أنا لسه طالب في المعهد!”

ربت محمود على كتفه بقوة أكبر، وبابتسامة واثقة قال: “المهندس الحقيقي بيبان من عقله وشغله، مش من ورق التخرج يا مالك. واثنا عشر مهندساً اللي هما أخدوا مبالغ بالهبل وعجزوا.. هيتعلموا الدرس كويس قوي مين اللي بيشغل المصنع بجد.”

قبل أن يكمل مالك رده، ظهر من أقصى الممر شخص يلهث وبوجه أصفر، كان المهندس رأفت، رئيس قطاع الصيانة والهندسة بالشركة، وبجانبه اثنان من مساعديه، وبدت عليهم علامات الدهشة والقلق عندما رأوا خط الإنتاج يعمل بكفاءة تامة وأضواؤه الخضراء تضيء المكان.

اقترب رأفت وعيناه تكاد تنفجران من الصدمة: “يا.. يا باشا! إيه اللي حصل؟ إزاي الخط اشتغل؟ شركة إ Italy قالت البوردة اتحرقت ومستحيل تشتغل قبل شهرين!”

التفت محمود ببطء نحو رأفت، وزالت الابتسامة من وجهه تماماً ليتحول إلى نظرة صارمة لا تعرف اللين.

أشار محمود بمرفقه نحو مالك، وقال بصوت هادئ يحمل نبرة حزم واضحة: “اسأل المهندس مالك.. هو اللي صلحها في عشر دقايق.”

نظر رأفت إلى الشاب الواقف بملابس التعقيم والشحوم على وجهه، فبدت على وجهه علامات الارتباك والدهشة، وحاول التحدث بتلعثم: “دا.. دا عيل متدرب يا باشا، ده مستحيل.. أكيد دي صدفة، والخط ممكن يقف في أي لحظة، لازم نقفل ونفحص بـ…”

قاطعه محمود بصوت جش وداكن: “صدفة؟! ولا عشان إنت ومهندسي الكبار كنتوا عايزين تلبسوا الشركة تكلفة استيراد بوردة جديدة بمليون جنيه، وتعملوا أمر مباشر لشركة معينة تاخدوا من وراها عمولات؟!”

شحب وجه رأفت تماماً، وتراجعت قدماه للخلف، وحاول الإنكار بصوت مرتعش: “ع.. عمولات إيه يا باشا؟ إحنا ناس محترفين ونخاف على مصلحة المصنع أكتر من…”

“لو كنت بتخاف على مصلحة المصنع بجد، كنت فتحت تقرير الحادث اللي كتبه مالك يوم الأحد، وكنت شفت خبطة الكلارك في الحاجز بدل ما تقعدوا تفتوا وتألفوا تقارير مزورة عشان تداروا على إهمالكم!” قاطعه‌ محمود بصرامة حازمة، ثم التفت نحو أمن المصنع الذي بدأ يتجمع على صوت الدوران.

“خذوا رأفت ومساعديه لمكتب الإدارة، وا تتحركوش من هناك لحد ما أحصلكم.. وراجعوا كاميرات المراقبة بتاعت يوم الأحد بالليل عشان نشوف مين اللي أمر بإخفاء تقرير الحادث.”

انحنى مسؤولو الأمن لتنفيذ الأمر الفوري، واقتادوا رأفت وزملاءه المندهشين إلى الخارج وهم يجرجرون أقدامهم بخيبة أمل وقلق شديد.

التفت محمود مرة أخرى إلى مالك، وعادت إلى وجهه تلك الابتسامة الأبوية الدافئة.

“شايف يا مالك؟ المصنع ده زي العيلة.. اللي يحافظ عليه ويصونه، بيشيله فوق راسه، واللي يتجاهله.. مكانه بره.”

ثم أخرج محمود ساعته الذهبية الفاخرة، ونظر إليها ليرى أن الوقت يقترب من الخامسة فجراً.

“يلا يا باشمهندس.. قدامنا يوم طويل، وأول حاجة هنعملها دلوقتي، إننا هنروح مطعم المصنع نجيب فطور مظبوط، وبعدين توريني المخططات اللي في دفترك ده ورقة ورقة.. اتفقنا؟”

أومأ مالك رأسه سريعاً، وقد غمرته موجة من الفخر والسعادة لم يختبرها طوال حياته، ورد بصوت ثابت ومملوء بالحماس: “تامرني يا فندم.. وكل شحوم الدنيا تهون عشان خاطر مصنع الشريف!”

ومنذ ذلك الصباح البارد، لم يعد مصنع الشريف للمخبوزات مجرد خط إنتاج عادي، بل تحول إلى صرح يقوده العقل والذكاء الحقيقي، لا الشهادات المزيفة ولا الحسابات الوهمية.

#حكايات_شروق_خالد
#حصري

وفي الساعة العاشرة صباحاً، كان مكتب محمود الشريف يشبه غرفة عمليات مصغرة.

جلس الملياردير على مقعده الجلدي الفاخر، وأمامه دفتر مالك الملطخ بالزيت مفتوحاً على آخره، وبجواره ابنه الأكبر “شريف” (الذي يدير العمليات التجارية للشركة) ومدير الموارد البشرية.

أما مالك، فكان واقفاً يشرح بهدوء وثقة، مستخدماً قلماً رصاصياً لتوضيح بعض التفاصيل الدقيقة على رسوماته الهندسية، بينما كان شريف يقلب صفحات الدفتر بانبهار واضح.

قال شريف وهو ينظر لأبيه: “يا بابا، الدفتر ده مش مجرد ملاحظات عادية.. ده تحليل هندسي متكامل لكل نقاط الضعف في خطوط الإنتاج التلاتة! ده مهندس صيانة مخضرم بقاله عشر سنين ما يعملش الشغل ده.”

نظر محمود إلى مالك الذي بدا مكسوفاً من كثرة المديح، وقال بابتسامة فخورة: “قلتلك يا شريف، العقول الكبيرة مش بتستنى شهادة عشان تثبت نفسها. ومالك النهاردة أثبت إنه مش بس أنقذ عقد هارفست تابل، ده أنقذ المصنع كله من خسائر مالية كان هيهدمه من جوه.”

ثم التفت محمود نحو مدير الموارد البشرية، وأعطاه توجيهاً صارماً: “اسمع يا فؤاد.. القرار يتنفذ فوراً. مالك يتعين رسمياً من اللحظة دي براتب مدير إدارة التشخيص التقني، ويتم فتح تحقيق شامل مع كل المهندسين اللي مضوا على تقرير تلف اللوحة المركزية، وفصل أي حد تثبت إدانته بالاشتراك مع رأفت في محاولة التلاعب دي، وتحويلهم للنيابة بتهمة الإضرار العمدي بالاقتصاد.”

ابتلع مدير الموارد البشرية ريقه وقال بجدية: “أوامرك يا فندم، كل الإجراءات هتنتهي قبل ما يخلص اليوم.”

التفت محمود بعد ذلك نحو مالك، وأخرج من درج مكتبه بطاقة ائتمانية خاصة، ومدها إليه بابتسامة دافئة: “دي منحة خاصة فورية، ودي عربية مصنع جديدة مجهزة تحت أمرك عشان تحركك بين خطوط الإنتاج.. ويلا يا باشمهندس، ورايا جولة على الخط التاني والتالت، عايزك تبص عليهم بـ ‘عين مالك’ يمكن نلاقي حاجة تانية محتاجة تتصلح قبل ما تسبب كارثة.”

أخذ مالك البطاقة ويداه ترتجفان من فرحة لا توصف، وابتسم بعيون لامعة وهو يقول بصوت حازم: “تامر يا فندم.. من اللحظة دي، مفيش مسمار في المصنع ده هيتحرك من مكانه غير لما أكون عارف سرعته واتجاهه.”

وفي الأيام التسعة التالية، لم ينم مالك إلا ساعات قليلة، لكنه جاب خطوط الإنتاج كلها جنباً إلى جنب مع العمال والفنيين، مطبقاً رؤيته الهندسية المبتكرة.

وفي اليوم التاسع، تماماً في الفجر، انطلقت أول شاحنة محملة بأطنان من أجود الفطائر المجمدة نحو أسواق “هارفست تابل” في موعدها المحدد تماماً دون تأخير دقيقة واحدة.

وعندما وصل الخبر إلى مجلس إدارة “هارفست تابل”، أرسلوا برقية شكر رسمية وشخصية للملياردير محمود الشريف، مشيدين بالتزام الشركة وقدرتها الخارقة على تجاوز الأزمات في أوقات قياسية، وتجدد التعاقد بين الطرفين لخمس سنوات قادمة بملايين الجنيهات.

وفي حفل تكنيدي صغير أقيم في ساحة المصنع لكل العاملين، وقف محمود على المنصة وبجواره مالك الذي ارتدى بدلة رسمية أنيقة، ورفع محمود الميكروفون وقال بصوت عالٍ يملؤه الفخر:

“في مصنع الشريف، إحنا مش بس بنصنع مخبوزات.. إحنا بنصنع مستقبل، والمستقبل دايماً بيبدأ من الناس اللي بتشوف النور في عز الضلمة.. شكراً يا مالك، شكراً لكل عامل وفني أثبت إن الإخلاص والضمير أغلى من أي شهادة في الدنيا.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى